مشاهدة النسخة كاملة : كيف تجعل طفلك مبدعاً :
دكتور محمد غنيم
19-02-2006, 02:12 AM
مقدمة :
مما لا شك فيه أن لكل طفلٍ ملكات خاصة ينفرد بها وتميزه عن غيره ، ولكن يتوقف هذا التميز من حيث النوع والمقدار على كثير من العوامل منها الوراثية ومنها المكتسبة ؛ فربما كان هذا التمييز ناتجاً عن أسباب وراثية تتعلق بنوعية الخصائص التي يرثها الفرد من أبوية ، أو ربما يعود إلى أسباب تتعلق باكتسابه لخبرات معينه من المجتمع المحيط به سواء في نطاق الأسرة أو المدرسة أو الأصدقاء أو وسائل الإعلام ............الخ.
وعلينا نحن الآباء والأمهات والمهتمون بالعملية التربوية والقائمين عليها فهم هذه الملكات والكشف عنها وثقلها لما هذا الأمر من أهمية فالتفرد ، أو الإبتكار ، او الإبداع فى وقتنا الراهن أمراً ضرورياً ولا ياتى عشوائياً أو صدفة ، وأنما يكون نتيجة لمسببات منطقية ، وقدرات معينة ، وعوامل مساعدة تصل فى النهاية بطفلك إلى أن يكون طفلاً مبدعاً .
أهمية الإبداع :
إن الإبتكار أو الإبداع سواء فى العلم أو الفن أو الشعر أو الرياضة أو فى أى مجال آخر من مجالات الحياة لمثال واضح للتفرد والتمييز ، ولا يرتبط الابتكار بالمستوى العلمي فحسب ، بل أننا من الممكن أن نجد عامل بسيط أو صانع أو حرفى قادراً على الابتكار فى مجاله والإبداع فيه ويشهد له الجميع بذلك ، فى نفس الوقت الذى نجد فيه مهندساً أو طبيباً أو حتى عضو هيئة تدريس فى إحدى الجامعات ، ليس على هذا القدر من الإبتكار والإبداع بالرغم من الفارق العلمى والثقافى بينهم ، هذا لأن الإبداع قد يرتبط أيضاً بمدى أقتناع الفرد بمهنته وحبه لها ، وإمتلاكه لمهارتها المختلفة ، بالاضافة الى الخبرة والى ما غير هذه الاسباب التى لا نستطيع حصرها ، ولكننا وفى نفس الوقت لا نغفل دور العلم فى العملية الابتكارية والابداعية فهو عامل مؤثر ومهم جداً فى تلك العملية .
وترجع أهمية الإبداع فى مايلى :
1. إن إهتمام الدول المتقدمة بتربية ورعاية الاطفال المبدعين كان من العوامل الاساسية التى أدت إلى التقدم العلمي والاقتصادى لهذه الدول فى العصر الحديث ، مما يحتم علينا رعاية أفضل وجهد أكبر فى الاهتمام بالنواحى الابداعية لمسايرة هذا التقدم والالحاق بركب الحضارة .
2. إن الطفل المبدع قادر على ملاحظة ما حولة وتحليله وفهمة وإدراكة ، وإيجاد حلول كثيرة ومتنوعة ومختلفة غير مألوفة أو متوقعة من خلال تلك الملاحظة والتحليل والفهم والادراك ، مما يجعلة مساهمة وبناءا فى مجتمعة وفعالاً غير تقليدى أو نمطى .
3. إن الثورة التكنولوجية المعاصرة والتقنية الحديثة لم تحتفظ بمكان إلى لكل متفرد أو مبتكر أو مبدع . فأين نحن منها .
المصدر :
- محمد فتوح غنيم : ( التفكير الابتكاري لدي ناشئي سيف المبارزة ) خطة بحث ضمن التسجيل لدرجة الدكتوراه في فلسفة التربية الرياضية .
دكتور محمد غنيم
19-02-2006, 10:53 PM
حقيقة ً إن موضوع ( الملل..أو الرتابة ) موضوع يستحق التأمل والوقوف عند أعتابه خطرات..نعيد فيها تفكيك بناءه موضوعيا..إلى جذوره الأصلية...وهي...الفراغ...ووجود..طاقة باطنية دفينة ٍ في المرء تحثنا بني الإنسان على التجدد والتغير ..؟؟
نعم..، فالنزعة الإنسانية الخالصة...هي...الإبداع...وهي صفة إلهية الأصل...وكل إنسان هوائي .. رومانسي...يعاني من الملل أكثر من سواه إذا ما تقيد بنظم خاصة ..لان ميول الإبداع التي عنده تفوق بأضعاف مضاعفة تلك التي لدى سواه ..؟؟
وبالتالي...فان الإبداع....والتسليم...لبواطن اللاشعور...وما تحويه من كوامن داخلية غير محسوسة..هو الهدف الذي يسعى وعينا الباطني إلى تحقيقه..عن طريق إزعاجنا بشعور اسمه الملل ...؟؟
لاشيء في هذا العالم ممل...وشعورنا بالملل إنما هو نداء باطني للإتيان بجديد....ولو تأملنا الطبيعة...التي سن الله فيها سنته بناموس الخلق المتجدد المتطور يكون لنا أن نسال :
لماذا هناك من كل زوجين اثنين ؟
إن الغاية .. من التزاوج..إعادة...تشكيل الأجيال...ودافع طبيعي أساسي لتطوير ما موجود إلى جديد أحسن .. دافع فطري رباني للإتيان بجديد ؟؟
إنها سنة الإبداع الربانية العظيمة...والتي لم يخص الله بها خلقا من خلقه عدا الإنسان ..؟؟
فما من مبدع...إلا ويشتاق إلى لحظة من لحظات الملل...ولكن هيهات..؟؟ فحياته إن سار بدرب التغيير والتجديد تأبى إلا أن تسرق وقته...وتدفعه..إلى الشكوى من ضيق الوقت...وكثرة المشاكل..وافتقاره للقدرة أو الطاقة في كثير من الأحيان... إنها معادلة..بين الملل وبين المكابدة والتعب...لكن...برأيك...أين يكون موقع الإنسان فيها ؟
هل إن الملل شعور أصيل في ترتيب المشاعر والميول البشرية ؟
إن الملل دخيل على هذه المشاعر...لان الإنسان..وباختصار...مخلوق كمنظومة..مدمجة من عدة نظم...أولها..العمل والحركة...ولهذا نجد ( الرياضة) كشاخص من شواخص الحضارة البشرية..فهي تدريب..وتفريغ في نفس الوقت للطاقة الأصيلة في الإنسان التي تحظه على العمل..والحركة..والنشاط..؟؟
وثاني نظام من نظم المنظومة هو الفن والإبداع...الذي ينبثق من فجر الخيال الإنساني المبين..وهو ببساطة..خريطة يسير أو يجري في ضوءها العمل للمستقبل...بمعنى انه بمثابة ( واقصد الخيال ) تصميم نموذج مصغر لم يتم إنجازه بعد .. وثالث ركن وهو مهم جدا...هو العزم والإرادة والتصميم....ولا إرادة...بلا ثقة بالنفس....ولا ثقة بالنفس..دون يقين بالله الذي عز فحكم .
فالإنسان إذا ابتنى إيمانه بالله...وجب عليه بعد ذلك..بناء الثقة بنفسه..ولو كان له ذلك...حينها كان عليه أن يشد عزمه..ويشحذ همته ..ويباشر بممارسة العمل بكل طاقته في ضوء ما أوحى إليه خياله وعقله على حد سواء ..!!
ومن هذا نستخلص .. إن الملل... تنبيه الهي..لنا..بظرورة احتلال مكانتنا الإنسانية التي كتبها الله يوم خلق السماوات والأرض ...والتي هي..الإبداع...والتطوير...والتجديد ...فالله قد خلق كل شيء...لكنه لم يخلق مبدعا أصيلا في الطبيعة سوى الإنسان...فهل يحق لنا نحن بني البشر أن نشعر بالملل ونحن الذين سجد لنا الملائكة أجمعين إلا إبليس؟
بصراحة..لا يجب أن نمل أبدا....لكن الملل واقع حال...فكيف نتخلص منه ؟
إن التعود على ممارسة (روتين ) معين..هو الذي يؤدي للملل لأنه يخالف ناموس الكون المتجدد المتطور...وبالامكان التخلص منه بالتجديد والتغيير في مناهج حياتنا وسلوكياتنا اليومية...وهذا الكلام من الممكن أن يطبقه الإنسان البسيط بسهولة..واقصد بالبسيط..الإنسان الذي لا يلزم نفسه بالنظم والقوانين والأعراف كثيرا..فمن السهل أن يفكر بان يلعب لعبة مع أحد الأصدقاء...أو يخرج بنزهة مع الأهل...أو يشاهد التلفزيون أو ما شاكل.... ولن يمر عليه وقت طويل حتى يجد لنفسه متنفسا من الملل ..لكن المشكلة هي في الإنسان المعرفي..الإنسان صاحب المبادئ والقيم..والأخلاق...والدين....؟؟
فهذا الشخص..يتسم بانضباط السلوك…وهو غير مستعد ٍ لان يعمل أي شيء دون سابق تخطيط ومعرفه…وهو يقضي جل أيام عمره أسيرا للملل…؟؟
لأنه ببساطة يلزم نفسه..لا بل يفرض عليها الملل ..من حيث لا يشعر ..!
ولو عدنا إلى قوانين الطبيعة التي وضعها الله لا سواه سبحانه ... نجدها موئلا خصبا للتطور والتمايز والتغاير والموت والولادة...والعودة والتقدم...والطفرة...والمعجزة...والسحر ..والخيال...والجمال...لكن...لن نجد فيها الرتابة أبدا ..؟؟
الرتابة...وليد...غير شرعي...للشعور الإنساني ؟
واعتماد نظرة...جديدة ..متغيره..متطورة...عن الكون...والحياة..من شانها أن تحرك الإبداع...وتطلق الخيال...وتشحذ الهمة...وتكسر الروتين والملل ..بالعمل ... نعم..العمل..لكن ما هي مواصفات هذا العمل ..؟؟
أهم صفة في هذا العمل...أن نحبه..وان ينبثق من صميم ميولنا الوجدانية..لا أن نفرضه على أنفسنا..أو يفرضه احد علينا...لان الإنسان بالفطرة مجبول على الحرية والحب والإحساس بالجمال بمختلف صوره...ودلالاته...
سيبقى يطاردنا الملل في الحل والترحال ..في فيافي حياتنا المليئة بالمفاجئات غير المحسوبة..لماذا..؟؟
لان نظرتنا..عن الكون...والطبيعة والخالق..نظرة أحادية البعد .. فنحن نؤمن بالنظام...دون إدراك...ماهيته...أو الغاية التي من اجلها وضع هذا النظام..؟؟
وكما اشرنا سابقا...فان الإنسان البسيط..قد يكون اقل عرضة للملل..لأنه قليل التساؤل...ماذا هناك..وماذا وراء ذلك فلا يشعر بالملل من الأعمال التي يقوم بها لأنه مقتنع بمجهولية سنها ... فهو قانع بالواقع البسيط ولهذا السبب فهو أكثر الناس تظاهرا بتطبيق القانون والنظام في نفس الوقت الذي يختلس فيه الشط عنه بين الفينة والأخرى...على العكس من الإنسان..المعرفي...المصقول الشخصية...الذي يطبق القانون حتى أثناء تفكيره مع نفسه ... وهو كثيرا ما يسال..ويستعلم...ويعاني من جراء ذلك الكثير ... لان أسئلته تبقى بلا جواب..وبالتالي فان أعماله التي لا يعرف لماذا يؤديها...تصبح مملة ؟
ا
لخلاصة
الناس صنفان...إما أخ ٌ لك في ( البصيرة والمعرفة )..أو نظير لك في الخلق...ولا يستوي الأعمى والبصير ..؟
اصل الكلام...أخ ٌ لك في الدين...لكن...مفهوم الدين...حسب سياق التجدد والتطور لايمكن اعتماده بصيغته القديمة المبنية على شهادة التوحيد كفيصل بين الناس اليوم في القرن الحادي والعشرين...لان المتدينين كثر..لكن العارفين المتبصرين قلة..فالدين كان جملة سلوكيات بسيطة بامكان أي شخص تطبيقها اليوم حتى غير المسلم...لكن المعرفة...والسلوك الأخلاقي المعرفي..المنضبط هو ( الدين ) في هذا الزمان .
ولهذا السبب...فسلوك العارف..يتطلب دراية معرفية أكثر في أصول الحياة العامة...من سياسة ودين وقانون وشريعة...انه يحتاج إلى التبصر في الأصول أكثر من الإنسان البسيط الذي لا تهمه المعرفة على الإطلاق...ولا يتسرب إلى حياته الملل بسهولة ..؟؟
كذلك فان الشخص المعرفي...يحتاج إلى التجدد والتطوير...واخذ مكانه الطبيعي كــ ( مبدع ) أكثر من سواه غير المبدع...لان المكان الحقيقي للشخص المبدع هو موقع المسئولية .. والتخطيط والإدارة...على عكس الشخص البسيط الذي يرتضي مكان المسئولية لا لكي يبدع..إنما لإشباع الرغبات والشهوات...وتحقيق الذات ونشدان الاستحسان والمكانة الاجتماعية المرموقة ليس إلا .. لهذا السبب نلاحظ إن عالمنا الإسلامي قد طبق المعادلة المقلوبة...فجعل من السذج بمكان المبدعين...فتحجر الإبداع...لان غير المبدع لا يبدع حتى لو توفرت له كل مستلزمات الإبداع المادية وحتى المعنوية .. فالإبداع في النهاية...ذاتية مقدسة..لا يهبها الله إلا لمن يرتضيه لحاجة في ذاته سبحانه ..؟؟
لذلك فعلى كل إنسان...تنطبق عليه صفات الإبداع...أن يحسب حسابه بان القوانين التي يجب أن يجري عليها في سلوك يومه..تختلف عن قوانين الآخرين...لان العصر الذي نحيا فيه..عصر سريع التغير والتطور ولا يمكن إدراك الكيفيات التي يسرب فيها الأمراض النفسية العامة إلى حياتنا دون دراسة علمية أكاديمية حقيقية .. ومن هذه الأمراض...الملل...والكسل...والشعور بالوحدة حتى ولو بين ملأ من الخلائق .. فضلا عن تأنيب الضمير الذي يلاحق المبدعين لتعارض نوازعهم الداخلية مع النظم التي تعودوا تطبيقها ...والحل في النهاية..هي أن نثق بأنفسنا...وان نسعى لتغيير حياتنا بكل طريقة تضمن لنا أن لا نظلم الآخرين .. وهل هناك رضى لله في غير ذلك ..؟؟
المصدر :
- وليد مهدي جامعة واسط - العراق
دكتور محمد غنيم
20-02-2006, 11:17 PM
إن الاهتمام بالطفولة كمرحلة، ينبغي أن توجه لها كل العناية، باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمع المتماسك، وقاعدة الانطلاق التي بدونها لا يمكن لأية أمة أن تحقق ما تصبو إليه من التقدم والنهضة.
كما أن الاهتمام بتربية الأطفال وارشادهم وتنمية قدراتهم العقلية المعرفية والإبتكارية، أصبح من الأمور الضرورية في العصر الذي نعيش فيه، لأن المجتمع في أشد الحاجة إلى المتميزين وذوي الخبرات الابتكارية من أبنائه، ومن أجل ذلك يجب توجيه مزيد من الرعاية والاهتمام لفئات الأطفال من ذوي القدرات الابتكارية في شتى المجالات، وتشجيع الطفل على أن يعبر عن نفسه وقدراته، وينطلق في تعبيراته حتى يشعر بقيمته وتقديره لذاته.
ويعد تنمية التفكير الابتكاري أحد أهم الأهداف التربوية التي تسعى المجتمعات الانسانية إلى تحقيقها، وتعد مرحلة الطفولة من أهم المراحل لدراسة الابتكار واكتشاف المبتكرين، كما أن الابتكار اذا لم يشجع في مرحلة الطفولة فان تشجيعه بعد ذلك لاجدوى منه.
والطفل المبتكر هو الطفل القادر على تحقيق ذاته وله القدرة على إنتاج جديد بالنسبة إليه وبالنسبة الى البيئة على أن يكون هذا الانتاج نافعاً للمجتمع الذي يعيش فيه.
ولكي توضح الجهود في رعاية الأطفال الذين يمتلكون القدرة على التفكير الابتكاري، فنحن بحاجة - أولاً- إلى وسائل دقيقة تعيننا على الكشف عن هؤلاء الأطفال ذوي القدرة على التفكير الابتكاري وتميزهم عن غيرهم من الأطفال العاديين وإزالة كافة المعوقات التي تحول دون ذلك.
وحقيقة الأمر أن كل فرد منا يمتلك قدرة من القدرات الابتكارية في مجال من مجالات المعرفة البشرية، وهذه القدرة يمكن أن تنمى بالتدريب والمران.
فإن كل موهبة بحاجة إلى من يكتشفها ويوجهها ويحفظها ويوفر لها الامكانيات وييسر لها الطريق بالأسلوب العلمي الأمثل، وهذه ليست مسؤولية جهة أو مؤسسة دون غيرها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية والرياضية وأجهزة الاعلام وكافة الهيئات التي تتعامل مع الطفل حكومية كانت أم أهلية.
وان تكاتف جميع المعنيين بتنمية الطفولة وتنمية قدراتها واستعداداتها وتلبية حاجاتها أمر ضروري حتى لا تضيع المواهب والقدرات غير العادية وتطمس قبل أن يتاح لها الظهور والنبوغ.
هذا وقد اهتم علماء النفس والتربية ببناء الفرد المبتكر فجاءت الدراسات تبحث عن خصائص المبتكرين وأساليب تعلمهم التي تستثمر قدراتهم أفضل استثمار وتعمل على ازالة المعوقات التي تؤثر على ابتكاريتهم.
ووجدنا أنه من الملائم أن تكون الخطوة الأولى التي يجب أن ينتبه اليها الباحثون والمربيون وجميع القائمين على الطفل هي تحديد هذه المعوقات حتى يمكن التغلب عليها بفاعلية، بهدف توفير الجو المناسب لتنمية مهارات التفكير الابتكاري.
وسوف نناقش هذه المعوقات من خلال عدد من المحاور وهي كالتالي:
1.معوقات سياسية.
2. معوقات اجتماعية.
3. معوقات نفسية.
4. معوقات تربوية.
5. معوقات اقتصادية.
6. معوقات ثقافية.
اولاً: المعوقات السياسية:
تتمثل المعوقات السياسية في النظام السياسي وما يعمله من تربية إلى الامتثال للمعايير السائدة في جميع المدخلات وهذه المعايير تحد من احتمالات التخيل والتوقع وبالتالي تضع حدوداً للتفكير الابداعي. وإن وضع تلك الحدود تؤثر على مقدار الانتاج الفكري المبتكر حيث اتاحة الحرية ومدى مقدار توافرها من أولى مدعمات العملية الابتكارية. والتي تساعد على التنوع الفكرى والانتقال بين المجالات الفكرية لانتاج الأفكار الجديدة وهذا ما يمكن أن نطلق عليه مقدار المرونة المتاحة لدى الفرد في التفكير والتي تساعده على انتاج الأفكار الأصيلة والنادرة وهي هدف التفكير الابتكاري وإحدى دلائل وجوده وأهم مؤشراته.
كما أن من بين المعوقات السياسية للتفكير الابتكاري، الاضطرابات الأمنية والحروب التي تكاد
ئتشكل ظاهرة مزمنة في الوطن العربي بصفة خاصة.
ثانياً: المعوقات الاجتماعية:
وتأتي المعوقات الاجتماعية من أهم المعوقات التي لها تأثير فعال على إعاقة التفكير الابتكاري، ففي نطاق الأسرة كثيراً ما يفتقد الطفل للفهم والتقدير والتشجيع وأساليب التربية التي تستثمر طاقاته وتدفعه إلى تحقيق ما يتمتع به من استعداد وموهبة، كما يلعب المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة دوراً في تنمية التفكير الابتكاري وان انخفاضها يؤثر بصورة سلبية نظراً لأن ابتكارية الفرد تتطلب مقدار من الاحتياجات الاقتصادية التي تساعده على تنفيذ ما يقدم من أفكار للتأكد منها ويدعم ذلك المستوى الاجتماعي، فكلما تدني المستوى أدى ذلك إلى عدم تقدم الفكر المبتكر وعدم تقبله وعلى العكس في حالة ارتفاع المستوى الاجتماعي فإنه يساعد ويشجع الفكر المبتكر ويؤثر بنفس الدرجة المستوى التعليمي والثقافي فإن انخفاضها يؤثر بصورة كبيرة على التفكير الابتكاري.. وتأتي من بين المعوقات الاجتماعية الاتجاهات السالبة للأسرة وأسلوب التنشئة الاجتماعية القائم على التسلط والسيطرة، وعدم الاهتمام، والنمطية في التعامل مع الأبناء حسب الجنس - ويأتي السياق الاجتماعي ومدى تقبله للفكر المبتكر والذي - في بعض الأحيان - يعتبر الفرد المبتكر خارجاً عن السياق الاجتماعي السائد في المجتمع والذي يجب أن لا يخرج عنه الفرد ويتمثل السياق الاجتماعي في الاتجاهات والقيم السائدة في المجتمع ومنها قيم الطاقة والخضوع والامتثال والاقتداء والمبالغة في تقدير الماضي. والاتجاهات التسلطية والقدرية.
ومن بين المعوقات الاجتماعية التمييز بين الجنسين والتحديد الصارم لادوار كل جنس. وكذلك ما تقدمه جماعة الرفاق واتجاهاتها السائدة المحبطة للإبداع وخاصة في مرحلة الروضة والمرحلة الابتدائية.
وقد ينظر المجتمع في بعض الأحيان إلى المبتكرين نظرة نبذ وعدم تقدير لما يبتكرونه وان فكرهم الجديد يعتبر شذوذاً وأن ما يقوم به المبتكر من أعمال وإبداء لفكره يمكن ان يؤدي إلى خطورة على حياته. وهذا يؤدي إلى إحباط للمبتكر. وبذلك فإن المجتمع لا ينمي القدرة الابتكارية ولا يساعد الأفراد على تنمية الاستقلالية في التفكير.
ثالثاً: المعوقات النفسية.
تلعب المعوقات النفسية دوراً بالغ الأهمية، فإن الجوانب النفسية للأفراد إما أن تساعد على ابتكاريتهم أو تعيقها. فتلعب دافعية الأفراد في الاكتشاف والتوصل إلى ما هو جديد دوراً ذا فاعلية وكذلك أن ما يطمح به الفرد يمكن أن يزيد من ابتكاريته، وبذلك فإن دافعية الأفراد ومستوى طموحهم يعتبر المؤشر الذي يحث الفرد على انتاج الأفكار الابتكارية فإن ما يأمله الفرد ويسعى إلى تحقيقه يحتاج إلى دافعية داخلية تدل على طاقة الفرد الداخلية التي تحث على الابتكار. وان شعور الأفراد بما يقدمونه من أفكار ابتكارية يتأثر بالمحيطين بهم، فإن عدم تقبل الآخرين لفكر المبتكرين يؤثر على الابتكار ويعيقه وبذلك تتولد لدى المبتكر مشاعر من الاحباط بالاضافة إلى ذلك فإن لدى الفرد المبتكر موضوعات شعورية ولا شعورية ترتبط بالانتاج الفكري المبتكر. فقبل أن يعبر الفرد عن أفكاره الابتكارية يمر على المستوى الداخلي بمراحل متعددة ويتساءل عن ماذا لو لم يلق فكره الجديد بالترحاب فإن ذلك سوف يقلل من نظره المحيطين إليه. فإن المبتكر يخشى من الأفكار الجديدة لأنه يخاف من الأنا الأعلى «المثالية»، فيخشى من عقاب المجتمع له على هذه الأفكار فتبقى حبيسة للأنا الأعلى «الشق المثالي».
ونجد هناك معوقات عاطفية (إنفعالية) والتي تتعارض مع حرية استكشاف ومعالجة الأفكار مثل عدم القدرة على احتمال تحمل الغموض والخوف من ارتكاب الخطأ أو من المخاطرة وعدم القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال. فقد يحبط الابداع على المستوى الداخلي عن طريق القلق والخوف من الفشل، والعادات السائدة التي يخشى المبتكر أن يتهم بأنه خارج عنها والخوف مما يظنه الآخرون، والتشدد في النظام، والتقليدية المبالغة في مطالبة الطفل بالنجاح، التقييم في المراحل المبكرة، نقص إثارة الدعابة، الرسمية والقيم الاجتماعية. ومن بين المعوقات النفسية ضعف الثقة بالنفس التي تعود الفرد إلى تجنب المخاطرة والمواقف غير المأمونة عواقبها.
بينما قد يؤدى الحماس المفرط والرغبة القوية للنجاح وتحقيق الانجازات إلى استعجال النتائج قبل نضوج الفكر وبذلك تتأثر مراحل العملية الابتكارية.
رابعاً: المعوقات التربوية:
تتمثل المعوقات التربوية للتفكير الابتكاري في المؤسسات التعليمية المختلفة حيث تلعب المدرسة دوراً ذا حدين إما أن تزيد من ابتكارية الأطفال في سنواتهم الأولى عن طريق التشجيع وتزويدهم بالامكانيات وإجراء نوع من التعزيز اللازم لنمو التفكير الابتكاري لدى الأطفال وذلك من خلال المعلم الواعي بأهمية التفكير الابتكاري. وإما إن كان المسؤولون في المدارس يتسمون بالنمطية واتباع التقاليد فإن ذلك يؤدي إلى مقابلتهم للأفكار الجديدة بالهجوم وإحباط أصحابها.
ففي نطاق المدرسة يواجه المبتكرون مناهج تعليمية بنيت أساساً على الاهتمام بالقدرات المتوسطة أو العادية، ومثل هذه المناهج قد تحقق أهدافها وتكون لها فاعليتها بالنسبة للطفل العادي إلا إنها غالباً ما تكون قليلة الأثر بالنسبة للطفل المبتكر.
ويواجه الطفل المبتكر قصوراً في فهم المعلم له ولحاجاته وعدم تقبله في حالة المغايرة في التفكير أو السلوك الاستقلالى.
كما أن أساليب التعلم التي تستخدم لها فاعلية في التفكير الأبتكاري، فعلى المربين أن يختاروا الأساليب المناسبة والتي تتفق مع ما يقدم لكي تدعم الروح الابتكارية في التفكير، فعلى سبيل المثال لا تقدم المفاهيم للأطفال في مرحلة الرياض عن طريق القاء المعلومات النظرية حيث تصلح هذه الطريقة في المراحل المتقدمة وإنما تقدم لهم عن طريق التطبيقات العملية التي تتيح الفرصة للطفل لكي يكتشف وينتج ويأتي بما لديه من مخزون فكري يعبر عن ابتكارية الطفل وبذلك فإن للأساليب المستخدمة في التعلم تأثير على ابتكارية المتعلمين.
خامساً: المعوقات الاقتصادية:إن احتياجات المبتكر وما يرغب فيه من أجهزة وتقنيات تسهم في دعم التفكير الابتكاري، لديه وتسهل عملية التأكد من صحة افكاره فإن ذلك يرتبط بالجوانب الاقتصادية والتي إذا لم تتوفر بالمقدار المناسب تؤدي الى إعاقة الفكر الأبتكاري فإن المعوقات الأقتصادية ترتبط بالنواحي المادية اللازمة للعملية الابتكارية فقد يحتاج المبتكر إلى مقدار من الأموال لتنفيذ أفكاره وكذلك مكان مناسب يتفق مع ما يريد ابتكاره، فمثلاً يحتاج الطفل عند ابتكاره لجهاز جديد إلى بعض الأدوات وكذلك المعدات التي يستخدمها في اعداد ما ابتكره وهذا بصفة عامة يرتبط بالجوانب الاقتصادية ولعل الجوانب الاقتصادية تؤثر بشكل كبير، حيث يكون الأفراد انتجوا أفكارهم، ولكنهم في حاجة إلى تنفيذها وحتى تنتفع بها الأمة.
سادساً: المعوقات الثقافية:
إن ما يقدم للأطفال عبر أجهزة الاعلام والقنوات الثقافية التي تخاطب الطفل تركز على الطفل العادي، على أساس أن الطفل المبتكر ليس بحاجة الى رعاية وان لديه من المواهب التي تنمو بذاتها وبالكيفية التي تمكن من التفوق دون صعوبة، وربما كان هذا الاعتقاد الخاطىء وراء إهمال الطفل المبتكر وعدم النظر اليه كطفل له احتياجاته الخاصة، أضف الى ذلك أن ثقافة (المسايرة) التي تسود جو المدرسة والأسرة تنسحب على ما يتقدم للطفل من خلال الوسائط الثقافية، ولا شك أن لها أثرها السيىء على الطفل المبتكر الذي يتمتع بالتفكير الناقد وبالخيال والابداع.
وخلاصة القول يجب على القائمين على تربية الطفل ان يتدارسوا سبل الكشف عن قدرات الطفل المبتكر في المراحل المبكرة من العمر، ويضعوا معايير محددة لتمييز الطفل المبتكر في الفنون والآداب والعلوم، كما يجب ان تفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات المختلفة المعنية بالطفولة لتوفير المناخ المواتي لنمو القدرات الابتكارية واكتمالها.
المصدر :
أ.د. سهير كامل أحمد
من اوراق العمل التي قدمت للمؤتمر الثاني للاصلاح العربي بمكتبة الاسكندرية من 13-15 مارس 2005م.
دكتور محمد غنيم
01-03-2006, 10:54 PM
اختلف الباحثون فيما إذا كان الابتكار قدرة عقلية أم عملية نفسية تخضع لمعطيات مزاجية معينة ومن هؤلاء الباحثين الذين فسروا الابتكار على أنه عملية نفسية يذكر ج. والاس G. Wallas الذي حدد هذه العملية النفسية بأربع مراحل متتالية مترابطة بحيث أن وجود المرحلة الواحدة ضروري للمرحلة اللاحقة ولا تتم العملية الإبتكارية إلا إذا مرت بتلك المراحل وهي على النحو التالي:
1- مرحلة الإعداد:
بما أن الابتكار لا يأتي من عدم فإن المبتكر يلجأ إلى الواقع بشقيه المادي والمعنوي. ففي ميدان العلم والتكنولوجيا يرجع المبتكر إلى مختلف النظريات والدراسات فيجمع منها ما يكون لديه فكرة أولية ينطلق منها ولا يمكننا هنا تحديد قواعد معينة للقيام بهذه المرحلة لأنها تختلف من موقف لآخر وما يقال عن ميدان العلوم والتكنولوجيا يمكن تعميمه على ميادين أخرى كالفن والأدب وغيرها من ميادين النشاط الإنساني وباختصار فإنه كما يؤكد محمود البصيوني (1964) «... يقصد بالتحضير كل ما يقوم به الفنان من دراسات ورسوم تمهيدية واستطلاع وملاحظة وقراءة وزيارات وفحص للطبيعـة والتسجيل الأولي بمختلـف وسائله للوصول إلى تحديد معالم البناء الذي سيتجه إلى تشييده إن التحضير ما هو إلا خطوة بحث...»(1) .
وبناء على ذلك فإن هذه المرحلة تعتبر من أهم المراحل الحاسمة في العملية الإبتكارية بحيث يتم فيها تحديد المشكلة التي يبحثها المبتكر وتحديد أبعادها وعواملها وجمع المعلومات التي تساعد على حلها ويمكننا تلخيص أهم وظائف هذه المرحلة كما يلي:
أ- بلورت الشروط الأولية وتكوين الاتجاه العام للابتكار.
ب- تحديد مركز الاهتمام أو الاتجاه.
جـ- الاستعداد لجمع الخبرات والمعلومات المناسبة لمركز الاهتمام.
د- العمل على بناء دليل كاف لإثبات الفكرة (2).
وهذه المرحلة شبيهة إلى حد ما بخطوة تحديد المشكلة وجمع المعلومات المناسبة لحلها وفي هذا يؤكد ر.كرتشفيلد R. Kretchfild (1971) عن أهمية مرحلة الإعداد ويذكر أن هذه الأهمية تتضح عندما نعلم أن الفشل في إدراك المشكلات إدراكا سليما وفي تحديدها تحديدا دقيقا يعد من أهـم العقبات التي تحول دون التفكير الإبداعي الذي يؤدي إلى حلول سليمة. ويذكر عبد الحليم محمود السيد (1971) أن ما يؤيد ملاحظات كرتشفيلد هذه ما وجده كل من ج.ج. بلات و م.ي شتاين(1971) في بحث تجريبي آخر تبين فيه أن الباحثين ذوي الإبداع المرتفع –على الإبداع الأقل- يخصصون جزءا كبيرا من الوقت الكلي في الموقف التجريبي عكس ذوي الأقل إبداعا لحل المشكلات للمرحلة الأولى أي لمرحلة تحليل المشكلة وفهم عناصرها قبل الشروع في محاولة الحل» (3).
وبهذا نستطيع أن نقول أن البحث التجريبي قد أعطى أهمية لهذه المرحلة وأظهر أن ذوي القدرة على التفكير الإبتكاري المرتفع هم أكثر اهتماما بهذه المرحلة من ذوي التفكير الإبتكاري المنخفض (4).
2- مرحلة الكمون (الحضانة):
بعد مرحلة الإعداد تأتي مباشرة مرحلة الكمون كمرحلة لاحقة وهي مرحلة تتم فيها عملية محاكمة الوقائع المجمعة من قبل المبتكر حيث تختمر المعلومات والوقائع المختلفة في ذهنه حيث يبذل المبتكر جهدا عقليا ونفسيا معتبرا لمواجهة الموقف الذي يعالجه. وقد يتعرض المبتكر إلى عقبات وإحباطات تجعله يعاني من توترات نفسية تبعده عن حل الأشكال وقد تطول هذه المدة أو تقصر وفي بعض الأحيان يكون الحل سريعا ودون أية صعوبة نفسية.
يرى بعض المفكرين أمثال ج.ب. جيلفود J.P.Guilford (1971) أن مرحلة الكمون هذه لا يمكن أن تزودنا بمعلومات يقينية عما يحدث من عمليات عقلية ويرى جيلفود أن «الاعتقاد بأن الاختمار يجري في منطقة من الذهن يطلق عليها اللاشعور لا يحل الأشكال بل هو فقط يلقي بالمشكلة بعيدا عن البصر وعندئذ يشعر الباحث أنه قد أعفى نفسه من تعقبها.» (5)
ومعنى ذلك أن الرأي الذي يسند المشكلة إلى اللاشعور هو رأي يمثل هروبا منظما من المشكلة فعوض أن يقدم حلا لها يزيدها تعقيدا لهذا فإن جيلفورد يؤكد على العمليات العقلية وضرورة تقسيها لأن المسؤولية تعود إليها وليس إلى اللاشعور الذي نعجز عن دراسته إجرائيا.
ويرى ر.س. وودورث R.S.Wood Worth(1971) في هذا الصدد أن: «مفهوم الاختمار يتضمن نظرية يؤثر عدم قبولها إذ أن الإشراق أو انبثاق الحل الماهر بعد تعذره إنما يحدث -فيما يعتقد- نتيجة لترك المشكلة جانبا وإعطاء الذهن فرصة ليستريح بعد تشبعه بالموضوع تشبعا كاملا مما يعطي للذهن فرصة للتخلص من مجرى التفكير الخاطئ واتجاهه» (6)
يبدو لنا هنا أن رأي ر.س. وودورث(1964) لا يقدم حلا جذريا للمشكلة بل هو يزيدها تعقيدا لأن ترك المشكلة جانبا ثم العودة إليها لا يختلف كثيرا عن إلقاء المسألة في منطقة اللاشعور ثم أن الاعتقاد بالابتعاد عن التفكير الخاطئ واتجاهه ماهو إلا خطوة لا تعدو أن تكون جزءا من مرحلة الأعداد. ويمكن القول هنا أن «ر.س وودورث» متأثر بنظرية المحاولة والخطأ للعلامة الأمريكي «إ.لي.ثورندايك» التى كانت سائدة في ذلك الوقت.
والحقيقة أن الفرد لا يتوقف عن حل المشكل تماما وإنما قد يتفرغ لفحص ما لديه من خبرات أو العودة إلى الخبرة الشخصية كما يسميها «ش.سبيرمان» حيث إن الشخص يندمج بكليته في الخبرات والمعلومات المخزنة في ذهنه ومعنى ذلك كله أن الفرد لا يتوقف عن النشاط الذهني وإنما ينتقل من كيفية إلى كيفية أخرى إلى أن يستقر على حل معين.
3- مرحلة الإشراق:
بعد مرحلة الكمون أو الحضانة تتأتي مرحلة تالية لها وهي مرحلة الإشراق التي يأتي الحل فيها فجأة ودون سابق إنذار عن طريق الحدس. يؤكد حيثيات هذه المرحلة محمود البسيوني (1964) بشيء من التفصيل في قوله إذ يدرك المبتكر روابط الحل وعلاقات عوامل المشكلة «... وتنتهي الحضانة عادة بأن الشخص يحس فجأة بشرارة تحل له المعضلة التي يقابلها وتجعله يدرك العلاقات المختلفة ويعثر على الروابط المفقودة وقد تحدث فترة الإلهام فجأة وبدون سابق إنذار وفي أثناء حالات يكون الإنسان فيها غارقا في نشاط مختلف كل الاختلاف عن طبيعة العملية الإبتكارية التي هو بصددها كأن يكون في دورة المياه أو نائما أو في دار للعرض أو راكبا إحدى وسائل المواصلات أو يتحدث مع صديق في خلوة. وترتبط خطوة الإلهام بنظرية الجاشتلت فيما سموه حل المشكلة دفعة واحدة عن طريق البصيرة أو الإلهام وقد أجريت تجارب عديدة في نظرية الجلتتالت تدعم فكرة الإلهام وظهور الحلول فجأة بدون مقدمات طويلة..» (7)
نستنتج من ذلك كله أن الخطوة الثالثة تمثل المرحلة الحاسمة في العملية الإبتكارية لأنها تجعل المبتكر ملهما بالحل السريع والمفاجئ الذي هو شبيه بالومضة أو الحدس إذ تأتي هذه الومضة أو هذا الحدس هكذا فجأة قد يكون فيها المبتكر بعيدا كل البعد عن الموضوع الحقيقي بل قد يكون مشتغلا بنشاط آخر لا يمت بصلة للمشكلة.
وهنا يثار سؤال مهم وهو هل أن قيام الشخص المبتكر بنشاط مغاير للمشكلة يعني أنه قد تخلى ذهنيا عنها ؟
إننا قد ننتقل من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى موضوع ومع ذلك فإن تفكيرنا يبقى مشدودا إلى الموضوع الأساسي وصحيح أن العقل لا يستطيع الاشتغال بموضوعين في نفس الوقت ولكن يمكن أن يشتغل الذهن عرضيا بأنشطة أخرى غير أنه يبقى يتحين الفرص ليعود باستمرار إلى مركز الاهتمام وباختصار فإن هذه المرحلة تعتبر أساسية بالنسبة للتقسيم المرحلي الـذي جــــاء به «جـرهام والاس G. Wallas».(1972).
4- مرحلة التحقيق:تعتبر مرحلة الإشراق السابق ذكرها من أهم المراحل إذ يتبلور فيها الحل المفاجئ غير أن العملية الإبتكارية لا تتوقف عند حد الإستيصار الذي من خلاله نصل إلى حل الأشكال وإنما هناك مرحلة أخرى أهم وهي مرحلة تحقيق الحل وتندرج ضمن عملية التقويم.
ويطرح هنا سؤال مهم وهو هل أن مرحلة التحقيق هذه عملية نفسية أم أنها قدرة عقلية تندرج ضمن القدرات التقويمية إلى توصل إليها ج.ب. جيلفورد J.P. Guillford ومعاونوه ؟
إن مرحلة التحقيق تتضمن عملا إجرائيا حيث يعمل المبتكر على إحكام الروابط بين العلاقات بالإضافة أحيانا و الحذف أحيانا أخرى بمعنى أنها «… تتضمن الاختبار التجريبي للفكرة المبتكرة»(8).
وينتج عن اختبار الفكرة المبتكرة الاحتفاظ بالعلاقات الصحيحة والداخلة فعلا في الفكرة المبتكرة. والتخلي عن العلاقات غير الداخلة فيها وبعبارة أخرى هي عملية غربلة للأفكار والعلاقات والروابط المختلفة قصد تهذيب الفكرة المبتكرة ليحقق المبتكر الارتياح النفسي الذي يتوقف على الاقتناع وتحقيق الذات.
«... وتتم عملية التهذيب على أساس إبعاد العلاقات غير الأساسية وتأكيد الأساسية منها...» (9) ولكن كيف تتم محاكمة تلك الأفكار والحكم عليها أولها وكيف تتم عملية فرزها ؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها «ج.والاس»(1964) بل يكتفي بوصفها فقط على أنها مرحلة نهائية للعملية الإبتكارية يتحقق فيها الحل الأمثل الذي يصل إليه المبتكر.
ويرى «ج. والاس» (10) أنه على الرغم من تمايز هذه المراحل الأربعة فإنها تبقى مرتبطة بوجود مشكلة تثير الفرد و تدفعه للبحث عن حلول لها ومعنى ذلك أن العملية الإبتكارية ذات علاقة بالدافعية. وقد تعرضت وجهة نظر «ج. والاس» هذه لانتقادات متعددة من طرف عدد من الباحثين ومن بين هـؤلاء «ر.أ. هاريس R.A. Harris»(1959) (11) الذي يــرى أن العملية الابتكـارية التي وضعها «ج. والاس» لا تعبر عن حقيقة العملية الإبتكارية من الوجهة السيكولوجية وإن كانت تبدو منطقية من الناحية التنظيمية وتسلسل خطواتها ومع ذلك فإن عدد الخطوات وتفسيرها يبقى ناقصا لذلك نجده يحدد خطوات أو مراحل العملية الإبتكارية على النحو التالي:
«أ- الشعور بالحاجة.
ب- جمع المعلومات.
جـ- النشاط الفكري لمعالجة المعلومات.
د- تخيل الحلول.
هـ- التحقيق.
و- تطبيق الحل» (12)
يضيف «ر.أ.هاريس R.A.Harris» مرحلتين على مراحل «ج. والاس G.Wallas» ويعتقد هاريس أن أغلب هذه المراحل يمر بها جميع الناس في تفكيرهم غير أن المبتكرين يختلفون عن العامة من الناس في سرعة الانتقال من الخطوة «أ» إلى الخطوة «د» ومعنى ذلك أن العاديين من الناس يمرون بجميع المراحل بينما المبتكرين فيختصرون تلك الخطوات.
وقد أنكر البعض من المفكرين تماما وجود خطوات منظمة للعملية الإبتكارية ومن هؤلاء «فوكس Fox» الذي لا يعترف مطلقا «بوجود أي خطوات لعملية الخلق أو الإبداع وما تلك الخطوات إلا تعبيرا فقط عما يحدث قبل وبعد لحظة الخلق فإذا رجعنا إلى الخطوات التي اقترحها «والاس» نجد الخطوتين أ،ب أي الأعداد والكمون تعتبران خطوتان مبدئيتان لا تدخلان أصلا في الابتكار ذاته ذلك إن التجميع والتمثيل والامتصاص لأي نوع من الملعومات يحدث يوميا في العمل الروتيني لآلاف لا تحصى من الناس الذين دون أن تتاح لهم أي فكرة مبتكرة. أما الخطوة «د» أي «التحقيق» فهي بالضرورة يجب أن تعقب حقيقة الخلق أو الابتكار ولكن ليس لها دور بالمرة في الخلق ذاته» (13) وهكذا فإن «فوكس Fox» يرفض التقسيم المرحلي للعملية الإبتكارية وينظر لها نظرة كلية وظيفية متداخلة.
ويؤكد «ب. جيزيلين B.Ghiselin»(1971) هذه الوجهة من النظر ويرى أن تناول عملية الابتكار على أساس مجموعة من المراحل المتتابعة هو أسلوب مفتعل يزيد المشكلة تعقيدا أكثر مما يساعد على حلها وتقصى أبعادها ويرى جيزلين أنه ينبغي النظر إلى القدرة على التفكير الإبتكاري كفعل واحد يمارسه الإنسان بكل مكونات شخصيته الجسمية والعقلية والمزاجية(14).
ورغم كل الانتقادات التي وجهت إلى التقسيم المرحلي المتتابع الذي جاء به جرهام والاس و ر.أ.هاريس تبقى ذات قيمة من حيث التسلسل المنطقي على الأقل. أما كيف تحدث تلك العمليات ومتى فذلك أمر مازال يكتنفه الغموض ومن الصعب أن نخرج منها بفروض قابلة للاختبار التجريبي.
خلاصة:يتضح مما سبق أن التفسيرات المتعددة للقدرة على التفكير الإبتكاري قد اختلفت من باحث إلى آخر ومن اتجاه إلى اتجاه حيث إن كل باحث ينظر إلى ظاهرة الابتكار نظرة تتفق مع منهجه ومنحاه الإبستيمولوجي.
قد رأينا في هذا الصدد أصحاب التحليل النفسي وكيف يتعاملون مع ظاهرة الابتكار وكيف أرجعوها إلى إعلاء محتويات اللاشعور والصراعات الأوديبية التي تتحول إلى أعمال مقبولة اجتماعيا.
وهنا يثار سؤال حول كيف يتحول اللاشعور بصراعاته إلى أعمال إبتكارية وكيف يمكن توجيه طاقات "اللبيدو" إلى أعمال علمية وما علاقة هذا كله باكتشاف قانون الجاذبية ؟.
يقرر فرويد بأن الفنان المبتكر ذو شخصية أنطوائية وهو قريب من العصابي لأنه مدفوع بغرائزه التي تبعده عن الواقع أكثر مما تقربه منه وهذا على خلاف بعض أتباعه حيث يذهب «شناير»(1977) «… في نهاية دراسته إلى القول بأن الفنان المبتكر لديه «أنا» من القوة والقدرة بحيث تستطيع أن تواجه المواقف الانفعالية القاسية وأن تخضع «الهي» وتعطي لمحتوياتها الشكل الفني وكلما ازدادت قوة الأنا ازداد إنتاج الفنان»(15).
وبذلك يظهر التناقض الصريح لدى أصحاب التحليل النفسي وهو حجة عليهم وليس لهم بديل وحتى وإن لم يقولوا ذلك صراحة فإن منهجهم يقولهم ذلك حيث نجدهم مرة يرون أن المبتكر شخص يغلب عليه الانقياد لغرائزه وهو شخص أنطوائي قريب من العصابية ومرة أخرى يقولون عكس تماما حيث يرون أن المبتكر هو شخص يتميز بقوة الأنا وبالتالي فهو قادر على التحكم في غرائزه وتوجيهها وجهة يقبلها الواقع الاجتماعي.
أما بالنسبة للحدس فإنه يبقى مجرد تصور فلسفي مرتكز على المنهج الإستبطاني وهو بعيد كل البعد عن التحقيق التجريبي لأنه لا يوضح لنا كيف تتم تلك الهزة الانفعالية الكبرى والعميقة التي هي أساس العملية الإبتكارية، بالإضافة إلى ذلك كيف يمكن تمييز الفرق بين الانفعال العميق والانفعال السطحي أو التحت عقلي كما يسميه هـ- برجسون ؟ هذه التساؤلات لا نجد لها جوابا عند هـ برجسون وإنما بعض المعلومات كتعبير لا يعدو أن يكون كل وصف لعمليات إستبطانية كان يجريها على نفسه.
«... إذ ليس المهم في العلوم مجرد ذكر قضايا وأحكام تتصل بموضوع دراستها بل المهم هو إمكان التحقق من صدق هذه القضايا أو بطلانها بالأساليب العلمية» (16)
بمعنى أوضح أننا نستطيع صياغة فروض كثيرة ولكنها تبقى مجرد فروض يعوزها التحقيق والاختبار التجريبي.
يرى "جرهام والاس"(1980) و«أ.ر.هاريس»(1980) أن العملية الابتكارية تخضع لمجموعة من المراحل المتتابعة منطقيا وهي:
1- مرحلة الأعداد
2- مرحلة الكمون
3- مرحلة الإشراف
4- مرحلة تحقيق الحل.
والمشكلة التي يعانيها هذا التقسيم - سواء كان تقسيم "ج. والاس" أو ذلك الذي قال به "أ.ر.هاريس" هي الكيفية التي ينتقل بها المبتكر من مرحلة لأخرى بالإضافة إلى ذلك فإن هذا التقسيم لا يخبرنا عن القدرات العقلية التي يستخدمها المبتكر أثناء انتقاله من مرحلة الأعداد إلى مرحلة تخيل الحل ثم هل أن الابتكار عملية نفسية أم قدرات عقلية؟
إن هذا التقسيم لا يوحي بفروض خصبة قابلة للاختبار التجريبي وإنما هو مجرد تصور مفتعل لا يرقى إلى درجة النظرية ذات النسق الفكري والرابط المنطقية من أجل ذلك ينبغي النظر إلى الابتكار كفعل واحد يقوم به الإنسان بكل إمكاناته الجسمية والعقلية والانفعالية.
تعتبر الأبحاث العاملية ذات قيمة معتبرة في هذا المجال حيث قدمت تفسيرات ترقى إلى الأحكام العلمية القابلة للاختبار التجريبي نذكر على سبيل المثال جهود ش.سبيرمان في قانونه الثالث المعروف بقانون «إدراك المتعلقات» وهو قانون يمكن إخضاعه للتحقيق التجريبي والدراسات العاملية إضافة إلى جهود "ش.سبيرمان" نجد أبحاث "ج.ب.جيلفورد" العاملية التي أثرت ميدان الابتكار حيث أعتبر الابتكار قدرات عقلية من الدرجة الأولى، وقد حدد مجموعة من القدرات التي تسهم فعلا في القدرة على التفكير الابتكاري، وأوضح أن القدرات الإبتكارية منتشرة عن الناس جميعا والفرق يكون في الدرجة فقط لا غير، بمعنى أن كل الناس لديهم قدرا معينا من القدرات الإبتكارية حيث أن هذه القدرات فطرية ونامية.
لقد أثارات هذه النظرية مناقشة حول مفهوم الذكاء والابتكار وحول التفكير التباعدي والتفكير التقاربي ومشكلة قياس الذكاء...الخ.
الهـــوامـش:(1) - محمود البسيوني: العملية الإبتكارية دار المعارف بمصر القاهرة 1964 ص62.
(2) - كاظم كريم رضا: علاقة قدرات التفكير الإبتكاري بالتحصيل الدراسي - رسالة ماجستير غير منشورة - جامعة بغداد العراق 1982 ص73-74.
(3) - عبد الحليم محمود السيد/ الإبداع و الشخصية دراسة سيكولجية دار المعارف بمصر القاهرة 1971 ص97.
(4) - لمزيد من التوضيح أنظر:
M.L. Rouquette: la créativité P.U.F. Paris PP17-18.
(5) - عبد الحليم محمود السيد/ الإبداع والشخصية - دراسة سيكولوجية دار المعارف بمصر- القاهرة 1971 ص98.
(6) - عبد الحليم عمود السيد/ نفس المرجع السابق ص 98-99.
(7) - محمود البسيوني: العملية الإبتكارية: دار المعارف المصر القاهرة 1964 ص67.
(8) - حلمي المليجي: علم النفس المعاصر: دار النهضة العربية - بيروت- لبنان 1972 ص218.
(9) - محمود البسيوني: العملية الإبتكارية: دار المعارف بمصر - القاهرة 1964 ص73.
(10) - لمزيد من التوضيح أنظر: حلمي المليجي: علم النفس المعاصر دار النهضة العربية - بيروت لبنان 1972 ص219.
(11) - أنظر: R.A. HARRIS: Créativity in marketing Hastings House New-York 1959.
(12) - M.L. Rouquette: La créativité PUF Paris P18.
(13) - حلمي المليجي: علم النفس المعاصر دار النهضة العربية لبنان 1974 ص 220-221.
(14) - عبد الحليم محمود السيد/ الإبداع و الشخصية - دراسة سيكولوجية- دار المعارف بمصر - لقاهرة 1971 ص100
(15) - عبد السلام عبد الغفار: التفوق العقلي والابتكار دار النهضة العربية القاهرة 1977 ص203
(16) - عبد الحليم محمود السيد / الأسرة وإبداع الأبناء دار المعارف بمصر - القاهرة 1980 ص28
المصدر :
د. الطاهر سعد الله
دكتور محمد غنيم
07-03-2006, 09:31 PM
هل أنت موهوب؟ قد تجيب عن هذا السؤال: وكيف أكون موهوباً والناس من حولي لم يعترفوا لي بالنبوغ بعد، ولم يسبق لي أن نبغت في مجال ما من مجالات الحياة؟
مهلاً يا صديقي. إننا نود أن نميز بين الموهبة كعطية مطمورة بداخلك وبين الموهبة كواقع خارج ذاتك وقد خرجت من حيز نفسك إلى المجتمع من حولك. لقد تكون موهوباً بمواهب فذة ونادرة ولكن لم تتح لك الفرصة حتى هذه اللحظة لكي تخرج الكنز المخبوء بداخلك وتترجمه في واقع حياتك إلى كنز حي معترف به من الجميع.
تش في دخيلتك. إنك تقول لنفسك أحياناً (إني أستطيع أن أتى بنغمات جديدة مع أني لا أعرف شيئاً عن الموسيقى، ولم يسبق أن قمت بالتلحين).
إننا نقول لك يا صديقي إن أحداً لن يمد يده إليك يظهرك على ما وهبته من مواهب. العكس هو الصحيح. إنك ستجد مقاومة لما قد تبديه من مواهب. وتتبدى تلك المقاومة في الاستخفاف بك، أو في السخرية مما تقوم بعمله أو إنتاجه أو قوله أو كتابته أو عزفه.
إننا نقول لك يا صديقي أيضاً إنه كم من أصحاب مواهب انصرفوا عما بدأوا فيه خوفاً من نقد النقاد أو درءاً لاستهزاء المستهزئين. ولكن القليل من أصحاب المواهب لم يعبأوا بما يقوله الناس عنهم.
ولكن هل الطريق إلى المجد والشهرة قصير؟ إننا نسارع إلى القول بأن هناك نوعين من الشهرة: نوع رخيص وآخر ثمين. والنوع الرخيص من الشهرة يتأتى لبعض الناس بسرعة وبغير إعداد طويل، وهي شهرة هشة تتبخر بسرعة. أما النوع الثمين من الشهرة فان الطريق المؤدية إليه ليست مفروشة بالورود والرياحين، بل هي مفروشة بالأشواك وهي طريق طويلة.
ونصيحتنا لك يا صديق ألا تعجل الشهرة في الحياة هي هدفك الأسمى. ذلك أن الشهرة من النوع الثاني الثمين تكون ثمرة لجهود طويلة وشاقة. فعليك بالسعي وراء مواهبك بغير أن تلقي بالاً إلى إحراز الشهرة. إن الشهرة سوف تكون من نصيبك بغير أن تسعى في أثرها. اترك الناس يحسون بك بغير أن تلاحقهم وبغير أن تلح عليهم بأن يعترفوا بك وبمواهبك. جرب وجرب بغير يأس أو نكوص. وإذا وجدت أنك تتقدم فيما بدأت فيه فسر دائباً إلى الأمام بغير توقف.
اقض الوقت الطويل في استثمار مواهبك. لا تظن أن العبقرية موهبة فطرية تفرض نفسها على صاحبها بغير أن يبذل جهداً لاستنباطها وإبرازها إلى حيز الوجود. صحيح إن الموهبة أو العبقرية قد تلح على ذهنك، ولكن إلحاحها لا يعني أنها تخرج إلى حيز الوجود بغير جهد أو عرق. اقرأ تاريخ أي عبقري تجده يتلخص في عناصر ثلاثة: الموهبة والوقت والجهد.
لا تجعل مشاغل الحياة تطفئ مواهبك. كم من طبيب كان يمكن أن يخلد اسمه في عداد عباقرة الطب، ولكن انشغاله في عيادته وسعيه للكسب دون ملاحقة مواكب علوم الطب وفنونه قد حكم عليه بأن يقضي حياته في الظل.
إذا كنت صاحب مواهب فذة، فلابد أن تتفوق إذن. والتفوق ليس معناه أن تستوعب الموجود من العلم أو التخصص أو المضمار الذي تعمل فيه فحسب، بل معناه أن تتفوق على ذلك الموجود، وأن تمتد بالحضارة ولو خطوة واحدة إلى الأمام. فالعبقري ليس مَن يعيش على غذاء عقلي أعده له غيره، بل هو ذلك الذي يشارك في إعداد وجبات عقلية جديدة بقبل الآخرون على الاغتذاء عليها.
ولكن العبقري لا يبدأ بالإبداع بل ينتهي إليه. انه شخص سريع الامتصاص لما هو موجود بحيث يمتد بعد ذلك إلى آفاق جديدة لم يسبقه أحد إليها. على أن العبقرية شخص مشارك أيضاً فيما يقرأ وفيما يطلع عليه. انه كالممثل البارع الذي لا يكتفي بقراءة الأدوار التي يقوم بتمثيلها، بل هو يتقمص الشخصيات المعروضة أمامه في تلك الأدوار. فهو لا يردد ما كتب في المسرحية، بل يعيشها بعقله ووجدانه معاً. والعبقري يحيا واقعه وفكره ولكأنه يؤلف مع المؤلف الذي يقرأ له، ويخترع مع المخترع الذي يشاهد اختراعه، ويجرب مع صاحب الكشف العلمي، ويعاني مع الفنان في مرسمه ومع الشاعر في قرض شعره.
وبينما نقول إن العبقرية نادرة، فإننا لا نستطيع أن نقول نفس الشيء بازاء النبوغ. فكل الناس العاديين يتسنى لهم النبوغ في مجال ما من مجالات الحياة الكثيرة جداً. المهم هو أن يعرفوا المجال الذي يمكن أن يحققوا لأنفسهم النبوغ فيه، ثم يأخذوا في استثمار مواهبهم الاستثمار الصحيح وبالطريقة الصحيحة.
إذن فلتبدأ فوراً يا صديقي بالنهوض والخروج من نطاق التبعية الفكرية إلى رحابة الابتكار. ابتكر ي شيء. هل حاولت مثلاً أن تسجل أفكارك؟ هل حاولت قرض الشعر أو كتابة قصة أو رسم لوحة أو تلحين أغنية تكون أنت مؤلفها وملحنها معاً؟ إننا نهيب بك أن تشق عباب المجهول فربما يكون لك حظ كبير فيه وأنت غافل عن الممكن المطمور في حنايا شخصيتك.
وحتى بالنسبة للعبقرية التي قلنا إنها موقوفة على فئة نادرة من الناس، فان علم النفس الحديث لا يغلق باب العبقرية أمام الأشخاص العاديين.
يقول لنا علم النفس الحديث إن العبقرية لا تظهر في فراغ، بل تظهر في سلوك العبقري. والسلوك نوعان: سلوك المواقف والعلاقات الاجتماعية، وسلوك الفكر والوجدان. فرمسيس الثاني كان عبقرياً بما أظهره من عبقرية حربية. ومصطفى كامل كان عبقرياً بما أظهره من عبقرية سياسية، وطلعت حرب كان عبقرياً بما أظهره من عبقرية اقتصادية.
وهكذا يظهر من هذه الأمثلة أن العبقرية ليست عبقرية واحدة، بل هي عبقريات كثيرة. ونستطيع أن نقر أن العبقرية لا تتعلق بشخص العبقري، بل هي تتعلق بالعلاقة بين العبقري وبين المجال الذي يعمل فيه. فأنت لا تكون عبقرياً إلا إذا تركت بصمتك على مجال ما من مجالات الحياة. ولقد نقول أكثر من هذا إن عبقريتك لا تتبدى إلا إذا شققت طريقاً جديداً لم يسبقك أحد إليه.
فالعبقرية إذن تتميز أولاً وقبل كل شيء بالابتكار. فاذا كنت شخصية مبتكرة، فأنت إذن عبقري. أما إذا كنت تسير وراء غيرك، أو إذا كنت مقلداً للآخرين في فكرك أو عملك فإنك لا تكون من العبقرية في شيء.
ولكن العبقرية لا تهبط عليك فجأة. إنك لكي تبتكر لابد أن تسير أولاً في ظل غيرك. وبتعبير آخر نقول إن امتصاص خبرات الآخرين أو التفاعل معها ضروري للعبقري. فالتقليد والاستيعاب يسبقان الجديد والمبتكر.
فالعبقري يمر بمرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة التلمذة، والمرحلة الثانية هي مرحلة الأستاذية. ولكن يجب أن نؤكد أن هاتين المرحلتين متداخلتان. فالعبقري وإن كان يمر في مرحلة التلمذة وحدها في طفولته وشبابه، فإن مرحلة الأستاذية التي تتجلى فيها عبقريته تظل متداخلة أو مبطنة بالتلمذة.
فأنت عبقري إذا أردت. ولكن ما تسمعه عن شذوذ العباقرة ليس شرطاً ضرورياً يرتبط بشخصية العبقري. وحذار من الارتماء في أحضان الشذوذ أو الخروج عن المألوف ظناً منك أن الشذوذ أو الخروج عن المألوف يكسبك عبقرية في أنظار الناس. إن عبقرية العبقري لا تقاس بمظهره أو تصرفاته الشخصية، بل تقاس في ضوء ما يخلفه وراء من فكر أو عمل مبتكر.
خلاصة الكلام:
هناك مهمتان أساسيتان يجب على المرء القيام بهما: المهمة الأولى: هي اكتشاف مواهبه المطمورة في شخصيته. والمهمة الثانية، هي عملية توجيه تلك المواهب الوجهة الصحيحة.
ويجب أن نميز بين نوعين أساسيين من المواهب: النوع الأول: المواهب المتعلقة بالابداع الفني. ومن هذه المواهب موهبة التلحين أو موهبة الغناء أو موهبة الرسم. أما النوع الثاني: فهو المواهب الوظيفية التي تتطلب الاستفادة من دراسة علوم مختلفة ومن مواقف عملية كثيرة. ومن هذا النوع موهبة الطيران وموهبة الجراحة في الطب وغيرهما من مواهب وظيفية.
وبالنسبة لمواهب الإبداع الفني فان الشاب يستطيع أن يعتمد على ما يحس به من رغبة. فاذا أحسست بالرغبة في التلحين أو الرسم مثلاً، فاعلم أن لديك موهبة التلحين أو الرسم. ولكن إذا أحسست بالرغبة في أن تصير طياراً أو جراحاً، فهذا لا يضمن لك أن تصير طياراً ممتازاً أو جراحاً يشار إليه بالبنان.
وعلى أية حال فان الرغبة ضرورية في اظهار الموهبة أياً كانت. فيجب أن تحس بشوق أو حنين إلى التعبير عما بداخلك من مواهب. ولكن يجب أن تعلم أن الطريق إلى استغلال مواهبك ليس مفروشاً بالورود. انه طريق طويل وصعب ويحتاج إلى الجهد والعرق.
وإذا أردت أن تتقن فناً من الفنون، فيجب أن تروي شجرة الموهبة بالعلم والخبرة. وهناك فرق بين الجلوس على شاطئ الموهبة، وبين أن تغوص إلى أعماقها. ولكن إذا وجدت أنك تبذل الجهود الكبيرة لخدمة موهبتك بغير أن تجني شيئاً، فعليك بالبحث عن موهبة أخرى في أعماقك.
وهناك فرق بين النجاح في الدراسة وبين النجاح في ممارسة المهنة المتعلقة بتلك الدراسة. لقد تكون لديك موهبة لدراسة علوم كلية الشرطة ولكن ليس لديك موهبة الاشتغال كضابط شرطة. فموهبة الدراسة شيء، وموهبة توظيف ما تدرسه شيء آخر.
وهذا في الواقع جعل علماء النفس يضعون مقاييس للاستعدادات أو المواهب. وهناك بوجه عام مقاييس تقيس المواهب المتعلقة بدراسة فروع العلوم المختلفة، وهناك من جهة أخرى مقاييس تقيس المواهب المتعلقة بممارسة الوظائف المتباينة.
فاذا أردت أن تصير طياراً، فان علماء النفس يقيسون مواهبك في ناحيتين: الناحية الأولى ما يتعلق بموهبتك في دراسة علوم وفنون الطيران. أما الناحية الثانية فهي ما يتعلق بموهبتك في تطبيق تلك العلوم والفنون في أثناء الطيران.
والمهم في جميع الحالات أن تبدأ أنت باكتشاف مواهبك. فليس أحد يستطيع أن يخلق فيك مواهب ليست موجودة لديك.
المصدر :
يوسف ميخائيل أسعد
ميدو جيتارا
25-02-2007, 10:51 AM
جزاك الله خيررررررر
vBulletin® v3.7.3, Copyright ©2000-2009