المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تربية بلا عنف أو عدوان


دكتور محمد غنيم
08-03-2006, 11:58 PM
لعل النشاط الذي يعني به علم النفس الأرضي فيما يتصل بالحاجة إلى (المسالمة) أو الحاجة المضادة لها: (العدوان)، لعل هذا النشاط يستأثر بأهمية لا توازنها أهمية النشاط المتصل بالحاجات أو الدوافع الأخرى، ما دامت غالبية أنماط السلوك تتصل ـ من قريب أو بعيد ـ بهذا (الدافع).

ان الحقد والحسد والغيرة ـ على سبيل المثال ـ تُعدّ (مظاهر) داخلية للحاجة إلى (العدوان). كما أن الحرب والتنافس والكلام الجارح: تعد مظاهر (خارجية) للحاجة المذكورة. يستوي في ذلك أن يكون المظهر (حركياً) أو (لفظياً). حتى انه يمكننا أن نصنّف كل و غالبية أنماط السلوك: بما فيه من (أمزجة) و(سمات) ومفرداتها من: كذب وخيانة وخديعة وشتم.. و.. و.. الخ، يمكننا أن نصنفها ضمن (العدوان). وما يقابلها، ضمن (المسالمة).

من هنا، نجد أن كثيراً من الباحثين يتبعون هذا التصنيف الثنائي للدوافع أو الحاجات، أو ـ على الأقل ـ يدرجون سائر الدوافع أو الحاجات المختلفة، ضمن هذا التصنيف الثنائي العام.
والحق ان مثل هذا (التصنيف) الثنائي للحاجات، يظل على صلة كبيرة بواقع التركيبة الآدمية، وهو أمر يتوفر المشرّع الاسلامي على فرز خطوطه. لكن ضمن صياغة خاصة، متميزة عن التصور الأرضي للتصنيف المذكور.

ان بحوث الأرض حينما تتوفر على دراسة هذا الجانب (المسالمة والعدوان)، تنطلق من تصورات مختلفة فيما يتصل بـ(فطرية) هذا الدافع أو (اكتسابيته)، وبامكان (تعديله). مثلما تتفاوت في تحديد أسبابه وعلاجه.

فثمة اتجاه يرى إلى أن الكائن الآدمي (مسالم) في طبيعة تركيبة كل ما في الأمر أن (البيئة) بما تكتنفها من (ثقافة) منحرفة هي التي تنمي لديه نزعة (العدوان).

ثمة اتجاه ثان: يرى إلى الكائن الآدمي (صفحة بيضاء) من الممكن أن تحولها (التنشئة) إلى (مسالم أو عدواني). ثمة اتجاه ثالث: يرى أن (الإحباط) هو السبب في إنماء النزعة (العدوانية)، فما دامت حاجات الانسان لم (تشبع) بشكل يحقق توازنه الداخلي، فإنه مضطر إلى ن يستجيب للظواهر استجابة (عدوانية) ما دامت تقف حائلاً دون الإشباع.

يواكب هذا الاتجاه، اتجاه لا يقصر الأمر على الإحباط أو عدمه أو درجته وصلة ذلك بالعدوان، بل يجد ـ أساساً ـ أن عجز الانسان عن إشباع حاجاته، وإلى مفروغية (الإحباط). يضطره إلى (العدوان): بصفته استجابة حتمية للإحباط. على أن أشد الاتجاهات (مفارقة) هو: الاتجاه الذاهب إلى أن (العدوان) يمثل حاجة أو دافعاً (فطرياً) يرثه الكائن الآدمي بـ(الفعل).

وفي نطاق هذا الاتجاه، هناك مَن يجعله واحداً من (دوافع) متنوعة تتصل بشتى أنماط السلوك، ومَن يجعله (شطراً) واحداً من دافعين رئيسين يطبعان سلوك الانسان: شطره الأول هو: غريزة الموت، فيما يظل (العدوان) مظهر هذه الغريزة الأخيرة: (غريزة الموت).

وهذا كله فيما يتصل بالتصورات الأرضية لظاهرة (العدوان). أما التصور الاسلامي للظاهرة، فإنه من الوضوح بمكان كبير، ما دمنا قد أوضحنا في حينه، أن الكائن يرث بـ(القوة) مبادئ (الشهوة والعقل) أو (الذات والموضوع) أو (الخير والشر)، وإلى أن عملية (التأجيل) التي يمارسها في بحثه عن اللذة هي التي تترجم (القوة) إلى (فعل) إيجابي هو (المسالمة)، وعدمه (أي: عدم التأجيل) هو الذي يترجم (القوة) إلى (فعل) سلبي هو: (العدوان).

وقد أوضحنا في حينه أيضاً، أن هذا المبدأ الثابت في تركيبة الانسان من الممكن في ظل ظروف أو شروط خاصة أن يطرأ عليه (التغيير) بحيث تصبح (النزعة العدوانية) ذات طابع (فطري) ترثه الشخصية بـ(الفعل): لأسباب سبق شرحها مفصلاً. ولعل النصوص التي قدمها الإمام الصادق (ع) عن الأفراد أو الرهوط الذين يرثون (أصولاً غادرة) ـ فيما منع الإمام (ع) التزويج منه ـ لعل هذه النصوص التي سبق الوقوف عندها (في حديثنا عن الوراثة والمحيط)، تلقي إنارة كافية على الظاهرة.
بيد أن ذلك كله، يظل (استثناء) للقاعدة، وليس مبدأ عاماً يسم البشر بأجمعهم (كما هو تصور بعض الاتجاهات الأرضية)، انه يمثل ـ كما أوضحنا ـ وراثة (طارئة)، وليس وراثة (ثابتة)، انه يمثل (انفاراً) و (رهوطاً) بأعيانهم: تضافرت جملة من الأسباب على تطبيعهم بالسمة المذكورة.
وخارجاً عن ذلك، فإن القاعدة تظل متسمة بوراثة (نقية) عن أية شائبة من (عدوان).
بيد أن ما نعتزم التشدد عليه في هذا الصدد، هو أن (العدوان) يظل أشد مظاهر (الشهوة) أو (الذات) أو (الشر) بروزاً بالقياس إلى المظاهر الأخرى.

ولعل هذا (البروز) هو الذي دفع أحد الباحثين بأن يجعل (العدوان) أحد شطري السلوك، على نحو لا مناص من صدور البشرية عنه، متمثلاً في سلوك (فردي) هو: مرض الشخصية، وفي سلوك (جمعي) هو: الحرب.. مثلما دفعه إلى أن يصنفه إلى عدوان مباشر باليد أو باللسان أو بأية حركة، وإلى عدوان غير مباشر (مثل: الدعابة، وفلتات اللسان، و.. الخ)، بل دفعه إلى أن يصور (العدوان) متجهاً حيناً نحو (الخارج) وهو العدوان المألوف: وحيناً نحو (داخل الشخصية) نفسها فيما يطلق على ذلك مصطلح (الماسوشية وهي: التلذذ بتعذيب الذات) قبال العدوان نحو الخارج فيما يطلق عليه مصطلح (السادية: وهي: التلذذ بتعذيب الآخرين).

ان ما لا مناقشة فيه، أن يظل (العدوان) أبرز مظاهر السلوك (الشهوي) (الذاتي) (الشرير)، انه يقف وراء غالبية الأنماط أو مفردات السلوك ـ كما سنرى، لكنه لا يمثل ـ (إرثاً) فطرياً من جانب، كما لا يرتبط بالمفاهيم التي ينطلق الباحث الأرضي المذكور منها في تفسيره للسلوك.
وخارجاً عن ذلك، فإنه (أي العدوان) يظل ـ مثلما قلنا ـ أشد أنماط السلوك (الشهوي) بروزاً من جانب، وإلى أنه يقف وراء غالبية أنماط أو مفردات السلوك (الشهوي) من جانب آخر.
وبامكاننا أن نتعرف على الحقيقتين المذكورتين، إذا أدركنا: أولاً ان (إيذاء الآخرين) هو المظهر الأشد بروزاً لكل سلوك (شهوي). فالممارسات الشهوية (الفردية) الصرف مثل: الشراهة في الطعام، أو المال، أو الجنس، أو اللهو.. الخ، إنما تعكس آثارها على (الذات) الشخصية، دون أن تمتد إلى (إيذاء الآخرين). أما الممارسات الشهوية المرتبطة بـ(الآخرين)، فإن انعكاسها عليهم، يظل أمراً من الوضوح بمكان كبير. فالقتل أو التجريح، أو السب، أو الإهانة، بل: الحقد على الآخرين بعامة، والحسد منهم، تظل أنماطاً (عدوانية) أشد بروزاً من الأنماط الأخرى المتصلة بالبحث عن (التفوق) أو (الاستطلاع) أو.. أو.. الخ.

ثانياً: ان غالبية مفردات السلوك، تظل وراء (النزعة العدوانية) بنحو واضح: فالاعتداء باليد أو السلاح، أو باللفظ من نحو: الغيبة والاستماع إليها، والافتراء، والشتم والإهانة والمزاح، وبالحركة مثل: السخرية باليد، والشفاه، والعيون، والمحاكاة بعامة، وبالممارسات الخارجية مثل: الغش والخديعة والهجران والسرقة و.. الخ، كل أولئك يظل مشكلة غالبية السلوك اليومي الذي تمارسه الشخصية الأرضية أو غير الملتزمة: فيما تضؤل أمامها ـ من حيث الكم ـ الممارسات الأخرى غير العدوانية.

ومن هنا يمكننا، أن ندرك سرّ التوصيات الاسلامية الحائمة على هذا المظهر من السلوك: بصفته أشد أشكال الذات بروزاً، وأضخم المفردات رقماً.
بل يمكننا أن ندرك صلة (الشخصية) بالآخرين: فيما يشدد المشرّع الاسلامي عليها من خلال مبدأ (الحب، وقضاء الحوائج) حيث يمثلان الدلالة الوحيدة المشروعة ـ في التصور الاسلامي ـ لصلة الشخصية بالآخرين، وإلا فإن (الآخرين) ـ كما لاحظنا ـ ملغون من حساب الشخصية التي تتعامل مع السماء.

ان مبدأ (حب الآخرين) و(قضاء حوائجهم) يمثلان الطرف المضاد تماماً، لطرف (العدوان) أو (الحقد).. فيما يعني: ان غالبية مفردات السلوك (الاجتماعي) الذي يرسمه المشرع للشخصية في تعاملها مع (الآخرين)، هذه المفردات بأكملها أو بغالبيتها قائمة على التدريب على نبذ (العدوان)، لأن (الحب) يعني بوضوح (المسالمة) بدلاً من (العدوان)، كما ان قضاء حوائج الآخرين يعني بوضوح: ان الشخصية (تحب) الآخرين فتقضي حاجاتهم، أي: إنها (مسالمة) حيالهم، لا إنها (معادية) لهم.

إذن: كل أنماط السلوك الاجتماعي أو غالبيته قائمة على طرفي (المسالمة) أو (العدوان)، فيما نخلص منه إلى أهمية تنظيم الدافع المذكور، ونعني به (الدافع إلى المسالمة) بدلاً من (الدافع إلى العدوان).

ومن هنا، فإن المشرّع الاسلامي، يظل ـ في توصياته ملحاً على مستويات شتى من (التنظيم) للدافع المذكور، متمثلاً في معالجته لكل مفردة من مفردات السلوك: بغية إزاحة (النزعة العدوانية) من الأعماق وإبدالها بالنزعة المسالمة: إشاعة الحب في الآخرين، وإشباع حاجاتهم.
إن الفارق بين التصور الاسلامي لنزعتي (المسالمة) و(العدوان) وبين بعض تصورات الأرض، أن الأخيرة منها (أي: بعض الاتجاهات الأرضية) حينما تجعل (العدوان) وكأنه (فطري)، إنما تقلل ـ إن لم تمسح ـ فرص التوازن الداخلي والخارجي للانسان.

والغريب أن هذه الاتجاهات تطالب بـ(الحب) وتجعله معياراً للشخصية السوية قبال الشخصية العصابية من نحو مقولة أحدهم في تحديد الشخصية السوية، إنها هي التي (تُحِبّ وتُحَبّ)، لكنه في الآن ذاته يقرر مفروضية العصاب الفردي والجمعي (الأمراض والحروب) ما دام (العدوان) يشكل نزعة فطرية لا مناص من صدور الانسان عنها.

والغريب أيضاً، أن نجد مَن يطالب مثلاً، بالرد على العدوان لأنه يساهم في خفض التوتر من الأعماق؛ في حين يطالب المشرّع الاسلامي بالعفو، والتسامح: لإزاحة البقايا من الأعماق..

وكم هو الفارق بين اتجاه أرضي يوحي بأن الإزاحة العدوانية غير ممكنة، أو على الأقل: يمكن تخفيفها فحسب، أو تحويلها ـ من خلال عمليات التسامي ـ إلى نشاطات مقبولة اجتماعياً، أو ان ممارسته أحياناً يخفض من توترات الفرد، كم هو الفارق بين مثل هذا الاتجاه الذي يساهم في تدمير الانسان وتوتيره، وبين الاتجاه الاسلامي الذي يطالب بالحب، ويجعله أساساً ثابتاً في علاقة الانسان بالآخرين من نحو إشاعته مبادئ عامة في الحب، مثل: المؤمنون إخوة، وإلى أنهم كأعضاء الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء..، ومثل مطالبته بقضاء حوائج البعض الآخرين، ومثل مطالبته بالتزاور بينهم، والتودد إلى الآخرين، ومداراتهم، والإصلاح بين المتنازعين فيما بينهم، والصفح عن المسيء منهم، و.. و.. الخ.

خلاصة القول: التصور الاسلامي كدافعية (العدوان والمسالمة)، يحسم الموقف حينما يخضعهما لمجرد (ميراث بالقوة) إن (التدريب) على (المسالمة) كفيل بمسح أية شائبة عدوانية تفرضها التنشئة المنحرفة، حتى ليتحول الأمر ـ في نهاية المطاف ـ كما أشار النبي (ص) ـ إلى أن المداومة على فعل (ومنه: التدريب على الحب) يستتبع كراهية الشر (ومنه: النزعة العدوانية) بحيث تصاغ الشخصية مسالمة، محبة تنفر من (العدوان) لا أنها تصدر عنه.



المصدر :
د. محمود البستاني

دكتور محمد غنيم
09-03-2006, 12:51 AM
لأن تلك الألعاب الإلكترونية تجتاح غرف أطفالنا ومقاهي الإنترنت, التي صارت في كل زاوية, فإن البحث عن حقيقة تأثيراتها السلبية ينبغي ألا يتوقف, وهاهي مداخلة من طبيب مختص يتوقف بجدية عند تأثيرات هذه الألعاب على الجسد, والنفس, معًا.

وأنا أكتب هذا المقال, طالعتني صحف الصباح بخبر مفاده أن (ألعاب الفيديو - المتهم الجديد بترويج العنف... وصرعتها الأخيرة باعت 20 مليون نسخة: جريمة مقتبسة عن بطولة (شقي كمبيوتري) قد تكلف مخترعيه 100 مليون دولار), اتهمت تلك الصناعة الإلكترونية بجعل العنف (سلعة) تقوّي الأطفال والمراهقين والشباب, وتعظم القتلة والسفاحين, مشيرًا إلى أطروحة (مايكل مور) عن تكوين مفهوم (الأمة المدججة) في فيلمه الوثائقي (لعبة بولينج من أجل كولومباين) عن مجزرة أتت على 13 إنسانًا, كما أشار المخرج (جاس فان سانت) إلى الطفلين اللذين قاما بمجزرة المدرسة الثانوية الشهيرة في كولورادو وهما يلعبان بنهم معارك فيديو (بلاي ستيشن Play Station) تحت اسم (الهلاك - Doom), وذلك قبل أن يدججا أنفسهما بالسلاح القاتل. ومن ثم فإن الاتهام واقع لا محالة على رءوس مالكي الصناعات السمعية البصرية التي تعتمد برامجها على العنف, مما دعا مراهقين أمريكيين (باكنر 14 سنة) وأخاه غير الشقيق (كريستوفر 16 سنة) إلى الاعتراف بقتل سائق سيارة عابرة وإحداث شلل لامرأة شابة, حيث طبقا ما يحدث في لعبة (Grand Theft Auto) بتقمص شخصية عدوانية شقية مدججة بأربعين نوعا من أسلحة الجيش الأمريكي, يتصدى للمارة بسيارته الصفراء الشهيرة قاتلاً كل من يراه بالرصاص, قال المراهقان إنهما أحسّا بالسأم فسرقا بندقية والدهما ووجهاها على أول سيارة تمثلا وتوحدا (بالبطل الافتراضي).

يواجه المراهقان حكما قد يصل إلى السجن مدى الحياة بتهمة القيام بجريمة متهوّرة والتسبب باعتداء خطير وتهديد متهور لحياة آخرين. أما أسرتا الضحيتين فقد رفعتا دعوى على الشركة البريطانية المصممة للعبة التي صممت أصلا للكبار (!!!), وخطورة تلك الألعاب الإلكترونية تحديدًا (جراند ثفت أوتو) هي في حجم مبيعاتها الهائل مقارنة بكل ألعاب السوق مما أثر في النظامين العائلي والاجتماعي في مجتمعات تؤكد على الفردية, العزلة, الأنانية, وكره الآخر.

صمم هذا البرنامج مهندسون بريطانيون شباب أصدروا منه أربعة أجزاء, باعت الأخيرة 250 ألف نسخة خلال يومين, وهو أكبر رقم مبيعات في تاريخ صناعة ألعاب الفيديو, فيما بلغت أعداد النسخ التي بيعت خلال السنوات الخمس الماضية (1998-2003) 20 مليونا.
منبهات وردود أفعال

مما لاشك فيه أن التطور الهائل في التكنولوجيا قد جعل التصوير الجرافيكي أكثرحقيقة وواقعية في إطار ما يسمى بالألعاب الإلكترونية.

تقدمت وتطوّرت تلك الألعاب, تجسّدت, ارتكزت, اعتمدت وتمحورت على التكنولوجيا الحديثة, بل استغلتها, وصارت في قلبها, وقدّمت لنا القسوة, دموية مؤلمة, وجنسية فاضحة ومفضوحة, ولشدة الأسف فإن أكثر البشر عرضة لتلك الألعاب وأكثرهم استهلاكًا لتلك الإلكترونيات المصوّرة أطفال.
والطفل العربي - رغم كل الحظر عليه - عرضة أكثر من غيره للتلصص وسرقة الوقت, المكان والزمان, لممارسة تلك الألعاب خلسة في البيت أو مع صاحب, دون رقابة أو في نواد ومقاه (الفيديو جيم) أو (الإنترنت كافيه), أو كليهما, حيث المكسب المادي لمالكيها هو الحَكَمْ, لا غيره, ربما لأن الضغط عليه من الوالدين عال جدا, خاصة من الأم التي تكاد تلفه في ورق سلوفان أو تضعه في صندوق زجاجي, وتتوقع منه أن يكون الأول بامتياز, وألا يخطئ, وألا يرسب, ألا يلعب وأحيانًا ألا يمرح أو يضحك أو يفرح.

إذن فنحن نحتاج إلى نظرة بعيدة, إلى خطة محكمة, ربما إلى لجنة مستقلة تتأمل ما كان, وما سيكون, ترصد مواطن الخطر, تحدد المشكلات التي قد يتسبب فيها الكمبيوتر وألعاب التلفزيون والآثار المحتملة للعب الإلكتروني.

من الواضح, بل ومن المؤكد أن التعرض لـ (الفيديو جيم) فترات طويلة, واللعب المفرط له تأثيرات سلبية أهمها: السلوك الإدماني الوسواسي, نزع (الإنسانية) عن اللاعب, نزع حساسيته ومشاعره, تغيرات في شخصيته, حركة زائدة, اضطرابات في التعلم, تقدم ذهني عن التقدم العمري (شكل عشوائي غير مفضل وغير مفيد), اغتيال لبراءة الأطفال, اضطرابات نفسية حركية, مشكلات تتعلق بالصحة العامة نتيجة قلة الأداء الحركي المرن, التهابات مفصلية, حال من التوتر الاجتماعي ومعاداة الآخرين, فقدان القدرة على التفكير الحر وانحسار العزيمة والإرادة, مع الأسف لا يوجد شكل منهجي تقييمي لآثار (الفيديو جيم) على الأطفال.

وتنقسم الألعاب الإلكترونية إلى منبه ورد فعل, وإلى تنبيه على مساحة إلكترونية واسعة, سنركز هنا على تلك الألعاب التي تنبه وتحدث ردود فعل, والمعروفة باسم (SR) Stimulus Response وهي منتشرة جدا وشعبية جدا, لها طابع قتالي, وتحتوي - غالبا - على سيناريو متنافس للغاية, نشاط منبه قوي يحدث رد فعل أقوى, مستوى عاليا من الإدراك العنيف والإثارة الشديدة.
ليست هناك تفاصيل مصوّرة, منبه سمعي بصري شديد - لا يوجد تميز أو تفريق في الشحنات المرسلة من اللعبة للجهاز العصبي, بمعنى آخر لا جهد حسيا يحتاج إليه اللاعب ومن ثم تنتبه المشاعر للنجاح والفوز أو الإحباط أو الهزيمة - تنبيه خارجي للعبة لا يتسبب فيه ترتيب وتنسيق ذهني داخلي من اللاعب, أي أن الأمر جد مختلف عن عمليات (التذكر - القراءة - سماع كلمات بعينها), وهكذا فمشاعر اللعبة (صناعية), لا علاقة لها بالواقع الذي نحياه. ولنصفها بأنها (مشاعر التحدي) وهي إرادة اللاعب المستفزة تكون محدودة بإطار وحدود اللعبة, تكون حركاته مكررة ومحددة مسبقا مع قليل من التفكير, لا حاجة إلى العزيمة ولا حاجة إلى الإرادة والتفكير.

إن الألعاب الإلكترونية تؤثر في كل مراحل التطور والنمو لدى الطفل, فهي تقدم حالة عضوية خاصة (بدءا من جلسة الكمبيوتر أو الـPlay Station (منصة اللعب) أو غيرهما), إلى كل الطقوس المصاحبة لها, كما أنها - أيضا - تقدم بيئة (مجردة) ومحددة سلفا تعتمد على الأثر الذي تحدثه اللعبة, ففي سن 7 إلى 14 سنة, يحتاج الطفل إلى مشاعر حقيقية, ومعان اجتماعية, أخلاقية, على العكس نجده مدفوعًا إلى دائرة أحاسيس العنف والتنافس اللااجتماعي, وفي حال المراهقين, نجد انحسار التفكير الموضوعي, وانتهاء النشاط الذهني الواعي نتيجة للغوص عميقا في عالم تلك الألعاب الإلكترونية لأنه إذا حكّم المراهق عقله وتفكيره, فسيكون بطيئًا في اللعبة مما قد يؤدي إلى خسارته.
والخطر هنا أن الطفل/المراهق/الشاب وحتى الرجال عندما يتذكرون أحداثًا ومشاهد بعينها من تلك الألعاب المرعبة, كما يتذكرون أحداثًا حياتية سلبية ومؤلمة, يربكهم هذا ويوتّرهم ويتركهم نهبًا لتوتر وكرب ما بعد الصدمة, ولنا هنا أن نورد حالات عقلية بعينها تعود في مجملها إلى تسلسل وتتابع مشاهد وأحداث حدثت في الطفولة الأولى وما تلاها, وهو ما يقوم به المحللون النفسيون من (استدعاء حر), تحليل, مواجهة وتفسير.

تنطبع مشاهد العنف المصوّرة إلكترونيا في تلك الألعاب الجهنمية على سطح العقل الباطن, أو تقبع في صخب في تلك المنطقة الواقعة بين الشعور, واللاشعور, تكمن وتكون بذرة لما هو آت, يحدث هذا أكثر في حالات الأطفال المهيئين أكثر لاستقبال تلك (الاندفاعات) من بيئتهم المحيطة.
والصغار لا يستطيعون - بل لا يتمكنون - من فهم ذلك الفارق الكبير بين العنف المصور في اللعبة ووحشية ما يحدث في الحياة, إنهم لا يحسون بتلك التأثيرات التي تنزع عنهم حساسيتهم, لا يدركون فيستمرون في اللعب ليلاً ونهارًا - دون هوادة - وقد يستمر اللعب لأيام دون كلل أو ملل, لا يقطعه سوى تناول القليل من الطعام, قليل من النوم, والذهاب إلى الحمام لقضاء الحاجة مع إهمال تام في المظهر.
ودعونا الآن نسمِّ بعض تلك الألعاب بأسمائها كما هي Space Invaders, Pack Man, مع ألعاب أخرى شتى عنيفة كانت أم عدوانية, ولنا أن نتأمل تدفق الدم الذي يجعله الـ CD أكثر واقعية, وتصوره التكنولوجيا الرقمية للأقراص الصلبة المتعاملة مع الليزر Lazer Disk. إن التطور الهائل لتلك التكنولوجيا المركبة والمعقدة قد سمح بمشاهدة عنف أكثر تجسيما وتجسيدا للعنف (بما يحويه ذلك من كميات دم تفور في كل مكان), وعلى سبيل المثال لا الحصر, فإن لعبة Mortal Kombat, تصور أحد أبطالها يفصل رأس ضحيته عن جسمه, والآخر يصعقه كهربيًا, والثالث يمزقه إربا حتى أن قلبه الطالع من صدره, وهو مازال ينبض يقطعه بكلتا يديه العاريتين, والرابع يشد رأس غريمه عن جسده ويرفعها كعلامة للنصر, وفي لعبة أخرى Nite Trap نرى مصاصي الدماء متعطشين يتتبعون وينتهكون خمس نساء, يحفرون في رقابهن حفرا بحفارة كهربية ثم يعلقن كالذبائح من أسفل لأعلى.

إن ذلك الفعل العنيف المراوغ الحي بكل تقنياته - مع الأسف - يجعل من العنف أكثر واقعية, وندخل من هذا المدخل الصعب إلى ما يمكن تصوّره عن ذلك الزخم الذي يصاحب تسويق تلك الألعاب الإلكترونية, وهو أمر يصعب أحيانًا تصديقه.

إن تلك الأعداد المهولة من تلك الألعاب المزعجة والمسلية في آن واحد, وتجارتها وتداولها, أصبحت أمرا يستحق التوقف والدراسة.

ولو حصرنا أعداد الألعاب الموجودة حاليا داخل كل بيت عربي يمتلك المقومات الاقتصادية لشرائها, لاستطعنا رؤية الأمر بوضوح, ففي الولايات المتحدة تحديدًا في جريدة ساو باولو عدد 2 فبراير 1992 نجد في صفحتي 9و10 أن 76% من البضاعة المعروضة للبيع والشراء هي ألعاب إلكترونية, والباقي مجرد دراجات, كتب, وخلافه...هل يعكس هذا بأسى حالنا وحال كوننا في الألفية الثالثة!!
ماذا نفعل?

إزاء كل هذا ماذا نحن فاعلون? في أستراليا تحرّكت مجموعة من البرلمانيين لوضع حد على الألعاب التي تحوي في طياتها عنفًا وجنسًا, فلعبة Nite Trap, صودرت ومنعت من الأسواق بأمر المحكمة حتى صدور تصنيف حكومي لتلك الألعاب كما في الأفلام (للكبار فقط), ويقترح التقسيم العام (كل الأعمار), وعام (للأطفال فوق سن الثامنة), وبالغون (لمن هم فوق سن 15سنة) ومحدود (لمن هم 18 سنة فما فوق فقط), ومرفوض Refused R ممنوع مطلقا. فألعاب مثل Mortal Kombat & Street Fighter II Turbo تشد اهتمام الأطفال من 8 سنوات فما فوق, أما Nite Trap, فتشد اهتمام البالغين 15 سنة فما فوق.

وبذلك التقسيم والمراقبة والترتيب, قد تزول بعض مخاوفنا (لا كلها بالطبع), وفي بعض المدن الأمريكية يمارس عمدتها التدقيق على بيع, وشراء, وتأجير الألعاب الإلكترونية مانعين ذلك بتاتًا خلال ساعات الدرس وأيام الدراسة, وبالطبع فإن مسألة المنع التام ستعيد إلى أذهاننا (تفاحة آدم) المحرمة, وأن كل ممنوع يصير مرغوبًا أكثر, لا لشيء إلا لأن أهم ما في الموضوع هو ضمير الإنسان نفسه, ولي أمر كان أو مراهقا أو بائعا, لكن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الوالدين لأنهما المتحكمان في عملية الشراء واللعب والوقت لأولادهما كما يجب أن يراقبا بحذر وبحب عملية اختلاط الأولاد بأولاد آخرين, وتبادلهم تلك الألعاب وتوخي ضرورة التعاون والتواصل مع أولياء الأمور الآخرين بغية تكوين شبكة اجتماعية متآلفة ضد خطر عنف اللعب الإلكتروني بكل ما يحويه من دمار نفسي وعصبي, ولمنع تلك الآفة من أن تصبح وباء, من أجل تحقيق وعي اجتماعي عام يتمحور حول أخطار استخدام تلك الألعاب وآثارها الجانبية خاصة على النشء.


المصدر :
خليل فاضل

mohammed the master
28-04-2006, 09:40 PM
you r funny dr.mohammed there isnt a day u didnt beet a kid in the school im mohammed taha :p

ميدو جيتارا
25-02-2007, 10:39 AM
جزاك الله خيررررررر