مشاهدة النسخة كاملة : دليل باهم الموسيقين العرب
music_teacher
06-09-16, 05:03 PM
الكندي
هو أبو يوسف يعقوب بن إسحق بن الصباح.. بن الأشعث بن قيس.. وينتهي هذا النسب إلى يعرب.
كان أبوه إسحق أميرا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان جده الأعلى، الأشعث بن قيس، ملكا على جميع كندة، فهو عربي صميم، ولذلك لقبوه بفيلسوف العرب.
لم يذكر أحد من القدماء ممن ترجم للكندي تاريخا منصوصا لميلاده، ولا لوفاته. والمرجح أنه *** في حدود سنة 185 هـ، 801 م، أما وفاته فقد اختلف فيها المحدثون. كما اختلفوا في ذكر مكان نشأته ودراسته، فمنهم من قال أنه تعلم في الكوفة وانتقل إلى بغداد، ومنهم من ذكر أن يعقوب ابن الصباح كان شريف الأصل بصريا، وكان جده ولي الولايات لبني هاشم ونزل البصرة وضيعته هناك، وانتقل إلى بغداد وهناك تأدب.
ومهما يكن من أمر، فليس ببعيد أن يكون الكندي قد نزل البصرة قبل ذهابه إلى بغداد، وقد كانت هذه البلدان- الكوفة والبصرة وبغداد- مراكز الثقافة على اختلاف فنونها في بلاد الإسلام.
كان الكندي غزير المادة، خصب الإنتاج في التأليف، لم يترك ناحية من نواحي العلم إلا كتب فيها، مما دعا العلماء القدامى إلى تصنيف كتبه بحسب موضوعاتها.
فحين ترجم له ابن النديم: أحصى تصانيفه فإذا بها تبلغ زهاء مائتين وثماني وثلاثين رسالة، صنفها إلى سبعة عشر صنفا: فلسفية ومنطقية وحسابية وموسيقية وفلكية إلخ..
مؤلفات الكندي الموسيقية:
ذكر صاحب الفهرست أن للكندي سبع رسائل في الموسيقى هي:
• رسالته الكبرى في التأليف
• رسالته في في ترتيب النغم الدالة على طبائع الأشخاص العالية وتشابه التأليف
• رسالته في الإيقاع
• رسالته في المدخل إلى صناعة الموسيقى
• رسالته في خبر صناعة التأليف
• رسالته في صناعة الشعر
• رسالته في الأخبار عن صناعة الموسيقى
مفهوم الموسيقى عند الكندي:
لعلنا نستطيع أن نجمل رأي الكندي وفلسفته في الموسيقى في العبارة الآتية التي جاءت في إحدى رسائله وهي: " الموسيقار الباهر الفيلسوف يعرف ما يشاكل كل من يلتمس إطرابه من صنوف الإيقاع والنغم والشعر، مثل حاجة الطبيب الفيلسوف إلى أن يعرف أحوال من يلتمس علاجه أو حفظ صحته".
فالموسيقى في نظر الكندي: " معرفة لا بد اكتسابها بالدرس والتحصيل، وكما يتحتم على الطبيب أن يأخذ بعين الإعتبار أمورا كثيرة قبل أن يهيئ العلاج، كذلك يتحتم على الموسيقار أن يفعل قبل أن يصنع الألحان.
لهذا يتناول الكندي موضوع الموسيقى من مختلف النواحي: النغمات، ما يتفق منها وما يتنافر عند التأليف، الإيقاعات وعدد نقراتها وما يرافق كل منها من الألحان، أثر الموسيقى في النفس وما تبعثه ألحانها فيها من سرور وحزن وشجاعة، أثر الألحان المختلفة في الصحة والأمزجة، المناسبة بين الأوتار والنغمات والأجرام السماوية وغير ذلك، فيضع لكل هذه الأمور، الدساتير التي ينبغي أن يسير بموجبها الموسيقار الباهر، مؤيدا أقواله بالبراهين الرياضية، والأدلة المنطقية.
وهكذا يعتبر الكندي أول من أدخل الموسيقى إلى الثقافة العربية، فأصبحت من ضمن مناهج الدراسة العلمية، وجزءا من الفلسفة الرياضية. وكان هذا بطبيعة الحال نتيجة التأثر بالمدرسة الإغريقية، بما نقله العرب من العلوم اليونانية إلى العربية في مختلف نواحي المعرفة ومنها الموسيقى.
فصارت كلمة " الموسيقى" باللغة العربية تعني علم الموسيقى بينما كلمة "الغناء" التي كانت قديما تعني أداء الألحان والموسيقى بصورة عامة، صارت تطلق على الفن العملي فقط.
ويضع الكندي الموسيقى في تصنيفه للعلوم ضمن العلم الأوسط، فيوضح بذلك وضع هذا العلم بين علمين، علم ما فوقه وما تحته، ويقسمه إلى أربع أقسام.
• علم العدد والمعدودات وهو الأرثماطيقي
• علم التأليف وهو الموسيقى
• علم الجاومطرية وهو الهندسة
• علم الأسطرونومية وهو التنجيم
وبهذا صارت الموسيقى عند العرب أحد العلوم الرياضية، وعنصرا من عناصر الحكمة الرباعية المسماة Quadrivium والتي أخذوها عن اليونان. وإن فهم هذه النقطة هو في غاية الأهمية، خشية أن يتبادر إلى الأذهان أن العرب نقلوا ألحانهم عن اليونان، أو أن الموسيقى العربية من أصل يوناني أو رومي أو فارسي كما يدعي بعض الباحثين.
فهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تثبت أن الموسيقى العربية كانت تختلف عن موسيقى هذه الأمم. فالكندي في مواضع كثيرة من رسائله يشير إلى هذا فيقول: " إن لكل قوم من هذه الآلة (أي العود) مذهبا هو ليس لغيرهم.. فمذهب الفرس استعمال الخفة بعد وقوفهم على طرقهم المعلومة، إذ هي شبيهة لهم بالأصول.. ومذهب الروم أيضا في الألحان الثمانية الأسطوخسية.. وكذلك أيضا مذهب العرب بالضرب اللائق بغنائهم، كأصولهم الثمانية أي الثقيل والخفيف والهزج". ويقول في موضع آخر: "وتعليم فنون كثيرة أعني عربي وفارسي ورومي وغير ذلك..".
التأثير النفسي للموسيقى في نظر الكندي:
ويسهب الكندي في تأثير الموسيقى في نفوس الكائنات الحية، فيقول: وكيف أن الفلاسفة صنعوا آلات كثيرة تناسب تأليف الأجساد الحيوانية، ويظهر منها أصوات مشاكلة للتركيب الأنسى، ليظهروا بذلك مقدار شرف الحكمة وفضلها".
يم يذكر أمثلة لذلك، فالدلفين والتمساح إذا سمعت الزمر وصوت البوق فإنها تطرب وتخرج إلى الماء، والخيول والغزلان تلذها أصوات الأوتار، والطواويس عندما تسمع الألحان تنتشر أجنحتها وتختال علامة الفرح، والطيور عامة تعجبها الأصوات الحنونة، فتقف مصغية. أما تأثيرها في الإنسان فواضح أكثر، فهناك الألحان المفرحة والمحزنة، ومنها ما يبعث في النفس الشجاعة والإقدام، ومنها ما يبعث الهدوء والنوم.
وهكذا نرى الكندي يصنف الألحان حسب تأثيرها في النفس إلى ثلاثة صنوف:
• اللهوي والطربي والتلذذي والتنعّمي، وهي الألحان المطلوبة
• الجرأة والنجدة واليأس والإقدام، وهي الألحان الجريئة
• للبكاء والحزن والنوح والرقاد، وهي الألحان الشجية
فللطفولة ألحانها، وللشباب والشيخوخة كذلك، والألحان في الصيف والشتاء وألحان الصباح والمساء والليل، وغير ذلك على نحو ما نقرأه بإسهاب في مواضع كثيرة من رسائله.
التأثير الطبي للموسيقى:
ويتناول الكندي أيضا الألحان من ناحية طبية، فيبين أن الألحان تؤثر في الجسم فتساعد على الهضم، وتبعث في الكيموسات التلطيف والتنظيف. ثم يتناول النغمات والأوتار والإيقاعات ويذكر ما يفيد منها لأعضاء الجسم فيقول: " نغمات الزير مناسبة لإيقاع الماخوري، وهما مقويان للمرار الأصفر، محركان له، مسكنان للبلغم مطفئان له. ونغمات المثنى مناسبة للثقيل الأول والثاني، وهي مقوية للدم، محركة له، مسكنة للسوداء، مطفية له..". ويفعل هذا مع نغمات المثلث والبم أيضا. وهكذا يجعل الكندي من النغمات والنقرات وصفات طبية لأعضاء الجسم.
السلم الموسيقي للكندي: يعتبر الكندي أول من دون الموسيقى بالأحرف الأبجدية، يشهد على ذلك السلم الموسيقي الذي دونه في مخطوطته الموسيقية، وذلك نسبة إلى أوتار العود.
وهكذا وجدت مخطوطة للكندي سجل فيها لحنا مدونا يضعه كتمرين ودرس أول للتلميذ الذي يتعلم الضرب على العود. وهذا اللحن يعتبر أقدم وثيقة موسيقية للحن مدون، لا عند العرب فقط بل في تاريخ العود الذي كان معروفا منذ الألف الثاني قبل الميلاد. وقد حلل هذا اللحن ووضع نغماته في إطار إيقاعي حسب السلم الموسيقي الحديث.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:07 PM
الفارابي
هو أبو نصر محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي. *** في مدينة فاراب سنو 870 م وإليها انتسب. لا يعرف شيء هام عن طفولته وشبابه غير أنه في حدود الأربعين من سنيه وفي عهد الخليفة المقتدر، وفد إلى بغداد للاتصال بأئمة الحكمة والتزيد من العلم. فانصرف إلى المطارحات اللغوية مع ابن السراج، وإلى دراسة المنطق على أبي بشر متى بن يونس. وبعد أن أقام على ذلك برهة، ارتحل إلى مدينة حران وفيها يوحنا بن حيلان الحكيم فأخذ عنه طرفا من المنطق أيضا، ثم قفل راجعا إلى بغداد مدينة السلام.
وفي مدينة السلام أكب على مطالعة الفلسفة واستخراج معانيها، فتناول بالدرس والشرح والتعليق جميع ما وصل إليه من كتب أرسطو. وقد وجد كتاب النفس للمعلم الأول وعليه بخط أبي نصر: إني قرأت هذا الكتاب مئة مرة. كما نقل عنه قوله: قرأت السماع الطبيعي لأرسطو طاليس الحكيم أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته. ويروى عنه أنه سئل: من أعلم بهذا الشأن أنت أم أرسطة فأجاب: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته.
إن أهم ما يتميز به الفارابي ثقافته الواسعة ونزعته إلى الزهد والتصوف.
أما ثقافته فتظهر في هذه الطائفة الكبرى من الكتب والرسائل التي ذكرت له وتدور موضوعاتها على مختلف العلوم المعروفة آنذاك، من الطبيعيا وما يتفرع عنها، إلى الإلهيات وعلوم الدين والاجتماع، إلى الموسيقى وقد روي عنه الأساطير في هذا الباب، وأنه اخترع الآلة الموسيقية المعروفة بالقانون ووضع كتابا في الموسيقى اسمه: كتاب الموسيقى الكبير. ويذكر ابن خلكان أن الفارابي كان يتقن سبعين لسانا، وعلى الرغم من المبالغة في هذا الرقم فإنه دليل على اتساع على هذه المعرفة.
وأما نزعته الصوفية فبارزة في كل أطوار حياته بشكل زهيد بالدنيا وانصراف شديد عن متعتها في المال والزوج وال***. وهذا النوع من القناعة والا***اق على الذات هو الذي دعاه إلى عدم تدوين شيء مما يتصل بحياته وبأسرته، وإلى الاكتفاء عند سيف الدولة وهو الأمير الذي يهب ألف دينار على بيت جميل من الشعر، بأربعة دراهم في اليوم ينفقها فيما يحتاجه من ضرورى العيش.
وضع الفارابي طائفة جليلة من الكتب والرسائل ضاع أكثرها وما وصلنا إلا القليل. ولم يقدر لهذه الكتب أن تنشر في الشرق والغرب انتشار كتب ابن سينا وابن رشد، فظلت مجهولة إلا من خاصة المعتنين بعلوم الفلسفة. حتى إذا كان القرن التاسع عشر قام المستشرق ديترشي بجمع ما ***نه من مخطوطاتها فدرسها وقدم لها وترجم بعضها إلى الألمانية ونشرها في سنتي 1890 و 1895 في مدينة ليدن بهولندا. بعض هذه الكتب شروح وبعضها تصانيف:
من شروحه لأرسطو: البرهان، العبارة، القياس، الخطابة، الجدل، المقولات وسائر كتب المنطق، السماء والعالم، السماع الطبيعي، الآثار العلوية، الأخلاق. بالإضافة إلى شرح كتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب إيساغوجي أو المدخل إلى علم المنطق لفرفوريوس الصوري، وسواهما.
ومن تصانيفه:
إحصاء العلوم، كتاب في الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو طاليس، مقالة في معاني العقل، آراء أهل المدينة الفاضلة، كتاب السياسات المدنية، تحصيل السعادة، التعليقات، عيون المسائل، مسائل فلسفية وأجوبة عنها. ومجموعة واسعة من الرسائل والردود ( رسالة في ماهية النفس، الرد على الرازي، الرد على الراوندي).
أما في الموسيقى فله المؤلفات التالية: كتاب الموسيقى الكبير، وكتاب في إحصاء الإيقاع، وكلام في النقلة، مضافا إلى الإيقاع، وكلام في الموسيقى، وكتاب إحصاء العلوم الذي يتضمن جزءا خاصا بعلم الموسيقى. والواضح أن الكتاب الأول أي كتاب الموسيقى الكبير هو أهم كتبه الموسيقية وهو الذي بقي موجودا في الوقت الحاضر و***ن تحقيقه وطبعه وترجمته إلى اللغات الأوروبية.
ولقد اهتم الباحثون في أوروبا والبلاد العربية بهذا الكتاب لأسباب منها أنه الكتاب الوحيد للفارابي الموجود حاليا في علم الموسيقى، ولأنه من أهم كتب الموسيقى في تراثنا العربي، ولأنه يضم معلومات قيمة تتناول جوانب الموسيقى العربية اهتم الفارابي بها ودونها في كتابه هذا.
إن دراسة مؤلفات الفارابي لا سيما كتاب الموسيقى الكبير تعطينا صورة متكاملة عن البعد الفكري عند هذا النابغة ومفهومه للموسيقى.
يشير الفارابي إلى أن كلمة موسيقى في استعمالات اللغة العادية تدل على الألحان، واللحن هو " كل مجموعة من النغم رتبت ترتيبا محددا منفردة أن مقترنة بالكلام"، ولكن الموسيقى من حيث هي صناعة أو فن شامل تشتمل على الألحان والمبادئ التي بها تلتئم وبها تصير أكمل وأجود. وليست صناعة الموسيقى إذا صناعة ألحان فحسب، وإنما تشتمل أيضا على الأسس النظرية التي تبنى عليها جودة الألحان وكمالها.
ويلجأ الفارابي في التفريع الذي يغلب على إحصاء العلوم إلى قسمة صناعة الموسيقى إلى صناعتين: الموسيقى النظرية والموسيقى العملية، فالموسيقى النظرية "هي هيئة تنطق عالمه بالألحان ولواحقها عن تصورات صادقة سابقة خاصة في النفس". أما الموسيقى العملية "فهي كما توحي التسمية إحداث الألحان بأدائها أو صياغتها. والصناعة التي يقال إنها تشتمل على الألحان، منها ما اشتمالها عليها أن توجد الألحان التي تمت صياغتها محسوسة للسامعين، ومنها ما اشتمالها عليها أن تصوغها وتركبها وإن لم تقدر على أن توجدها محسوسة، وهذان جميعا يسميان صناعة الموسيقى العملية".
ثم يوضح الفارابي العلاقة التي تجمع بين فني الموسيقى النظري والعملي، فهي علاقة وثيقة مزدوجة قوامها التحليل والتركيب، وهي تماثل الصلة التي تربط بين العلم الطبيعي وعلم النجوم، فصاحب العلم النظري يتبين ما هو طبيعي لسمع الإنسان من خلال الألحان التي يسمعها، فإذا طولب ببرهنة قضاياها أحال على المشتغلين بالموسيقى صياغة وأداء.. ولا ينقص ذلك من عمله".
ثم يستطرد الفارابي إلى إعطاء نظريته في المقارنة بين موسيقى الإنسان وموسيقى الطبيعة فقال: "استحدث الإنسان الموسيقى تحقيقا وإيفاء لفطرته. إنها الفطرة المركزة في جبلّة الإنسان والتي تنتظم، فيما تنتظم، الفطرة الحيوانية التي من خصائصها التصويت تعبيرا عن أحوالها اللذيذة والمؤلمة. وتنتظم هذه الفطرة أيضا نزوع الإنسان إلى الراحة إذا تعب. ومن شأن الموسيقى أن تنسي الإنسان تعبه لأنها تلغي إحساسه بالزمان، ذلك الزمان الذي ترتبط به الحركة والتعب يأتي منها. ولأن فطرة الإنسان تدعوه للتعبير عن أحواله وأن ينشد راحته، وكانت هذه الترنيمات والتلحينات والتنغيمات تنشأ قليلا وفي زمان بعد زمان وفي قوم بعد قوم حتى تزايدت، فنشوء الموسيقى من نداء الفطرة، لكن الإنسان أخذ بعد ذلك يتحرى ما يماثل ترنماته في أجسام أخرى طبيعية وصناعية، وما من شأنه أن يجعلها أكثر بهاء وفخامة. فاهتدى إلى الآلات الموسيقية كالعود وغيره وأخذ الناس في تطوير هذه الآلات حتى تكون أكثر طواعية من إنجاز الغاية منها".
أما تأثير الموسيقى بالنفس فيقسم ذلك الفارابي إلى ثلاثة أنواع: "فهناك صنف من الموسيقى ي**ب النفس لذة وراحة فحسب ويسميها الألحان المُلِذة، وهناك نوع ثان من الموسيقى يدعوه الفارابي بالألحان المخيلة لأنه يحدث في نفس الإنسان تخيلات وتصورات، مثل ما تفعل التذاويق والتماثيل المحسوسة بالبصر، أما النوع الثالث من الموسيقى فيستأثر باهتمام الفارابي ومناقشته في عدة مواضع، إنه الألحان الإنفعالية، فهي قد تزيل الإنفعال أو تنقصه لأن الإنفعال من شأنه أن يزول إذا بلغ أقصى غاياته".
وهناك معايير للجمال في الموسيقى عند الفارابي والمبدأ الذي يسيطر على بحثه، هو أن الذوق الفني يتغير مع تعاقب الأجيال، ومن ثم فهو لا يتمتع بخاصية الثبات التي تجعله يخضع للبحث العقلي: "فليس سبيل الطبيعة من الألحان سبيل الشرائع والسنن التي ربما حمل الناس عليها أو أكثرهم في بعض الأزمان فيبتع بعضهم فيها بعضا فيستحسن على سبيل ما تستحسن المألوف من الأمور. غير أن ما هذه سبيله من مستحسن أو مستقبح لا يراعي كيفما اتفقت.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:11 PM
زرياب
هو أبو الحسن علي بن نافع مولى المهدي الخليفة العباسي. واسم زرياب طير أسود اللون عذب التغريد، عذب الصوت وأسود اللون، لقب بزرياب.
نشأ زرياب في بغداد وكان تلميذا لإسحق الموصلي بصورة سرية إلى أن أتقن في الغناء عليه، ففي ذات يوم طلب الخليفة هارون الرشيد من أسحق الموصلي بأن يأتي معه بمغني جديد يجيد الغناء، فأحضر إسحق زرياب فاستأذن من الخليفة بأن يغني فأذن له:
يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا
إلى أن أكمل نوبته فطار الرشيد فرحا وتعجب منه كثيرا وطلب من أستاذه إسحق أن يعتز به، إلا أن إسحاقا داخله الحسد والحقد فهدد زريابا وخيره بالخروج من بغداد أو يغتاله، فرجح زرياب الخروج من بغداد فخرج وتوجه إلى الأندلس وكان الخليفة هناك آنذلك عبد الرحمن الثاني، فكتب زرياب إلى الخليفة يستأذنه بالدخول إلى بلاطه فرد عليه حسنا ورحب به، وبعد أن دخل بلاط الخليفة وأصبح من حاشيته غنى بحضرته وما أن سمعه الخليفة حتى شغف به وقربه إليه وأصبح نديمه ومن أقرب الناس إليه. وعندما اشتهر زرياب في الأندلس وتمركز بها، أسس مدرسة للغناء وللموسيقى وتعتبر هذه أول مدرسة أسست لتعليم علم الموسيقى والغناء وأساليبها وقواعدها.
وإن زريابا يعتبر هو السبب في اختراع الموشح لأنه عمم طريقة الغناء على أصول النوبة، وكانت هذه الطريقة هي السبب في اختراع الموشح. وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة وأهم هذه التحسينات:
أولا: جعل أوتار العود خمسة مع العلم أنها كانت أربعة أوتار.
ثانيا: أدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة من قبله.
ثالثا: جعل مضراب العود من قوادم النسر بدلا من الخشب.
رابعا: افتتاح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر، كما أنه أول من وضع قواعد لتعليم الغناء للمبتدئين وأهمها هي:
• يتعلم المبتدئ ميزان الشعر ويقرأ الأشعار على نقر الدف ليتعلم الميزان الغنائي
• يعطى اللحن للمبتدئ ساذجا خاليا من كل زخرفة
• يتعلم المبتدئ الزخرفة والتغني في الألحان مع الضروب بعد تعلمه الميزان والضرب واللحن. وقد وضع أسسا وقواعد لفحص المبتدئين قبل قبولهم وهي أن يجلس المبتدئ في مكان عال ثم يوعز إليه بأن يصبح بجواب صوته ثم ينزل تدريجيا إلى قراره، وبهذه الطريقة كان يعرف مدى صوته وحلاوته.
وقد نقل زرياب من بغداد إلى الأندلس طريقتين في الغناء والموسيقى هما:
• طريقة الغناء على أصول النوبة
• طريقة تطبيق الإيقاع الغنائي مع الإيقاع الشعري
توفي في قرطبة سنة 230 هـ، 845 م.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:18 PM
محمد القصبجي
ما إن يحاول المؤرخ دراسة سيرة محمد علي إبراهيم القصبجي، حتى يقترن في المرتبة والتاريخ بسيد درويش. فقد *** في 15 نيسان 1892 بعد تسعة وعشرين يوما فقط من م*** السيد درويش.
عاش القصبجي أربعا وسبعون عاما، فتتلمذ من مدرسته جيل كامل من أساتذة الموسيقى العربية في القرن العشرين ومنهم عبد الوهاب نفسه، أم كلثوم ورياض السنباطي، وتولى رعاية عدد آخر من الفنانين منهم ليلى مراد ونور الهدى وسعاد محمد. وبرغم ذلك فإن شهرة القصبجي ظلت، لأسباب غير واضحة أقل مما يستحسن بكثير. فهو تولى عبد الوهاب سـيد مطربي القرن العشرين وملحنيهم نحو خمس سنوات، قبل ان يتولاه أميـر الشعراء أحمد شوقي سنة 1924، وهو الأب الفني الذي تلقف أم كلثوم منذ انتقالها إلى القاهرة من الريف سنة 1923 وأعطاها أجمل الألحان حتى سنة 1948، وظل يتصدر فرقتها الموسيقية بعوده الخطير حتى وفاته في 25 آذار 1966.
عمل القصبجي في تجديد الموسيقى العربية في السنوات ذاتها التي عمل بها سيد درويش. فبدآ لدى موت سلامة حجازي معا سنة 1917، وجددا معا في نكهة الغناء العربي، وتأثرا معا بالتراث الأوروبي الكلاسيكي في الموسيقى، وأدخلا التعبير في الغناء، وطور اللوازم الموسيقية وجعلاها جزءا مهما لا غنى عنه في البناء الموسيقي. كما أدخل القصبجي الهارمونيا والبوليفونيا على الموسيقى العربية دون أن يشوه مزاج هذه الموسيقى أو يفقدها روحها وشخصيتها ونكهتها القومية. وأرسى على نحو نهائي سنة 1928 ملامح شكل المونولوج في الغناء العربي.
تخرج القصبجي من مدرسة عثمان باشا على الشيخ أحمد الحملاوي، بعدما حفظ القرآن وتعلم أصول تجويده. والتجويد هو المدرسة الوحيدة التي أنجبت عباقرة في الموسيقى العربية. والقصبجي ابن الشيخ على إبراهيم القصبجي، المنشد والمقرئ المعروف في حي عابدين، وكان يكتب النوتة الموسيقية لمؤلفي عصره ومغنيه. وتعاطى ابنه لضروب التأليف الموسيقى الغربية، لم يكن يحتمل خطر تشويه موسيقاه أو تهجينها أو إفقادها روحها العربية، فمحمد القصبجي أتقن الموسيقى العربية واتخذ علمها من منبعه الأول (التجويد والموشحات)، ونشأ في بيئة عندها سلالات أصيلة من سلالات الفن العربي. فكان أبوه عوادا فذا وملحنا غنى له زعيم الغناء والطرب في القرن الماضي عبده الحامولي، والشيخ يوسف المنيلاوي، وسيد الصفطي، صالح عبد الحي، زكي مراد ومحمد السنباطي. ولذا كان القصبجي قادرا على استخدام الفنون التقنية الغربية في الموسيقى دون أن يفقده روحه العربية الأصيلة، ما دامت جذوره ضاربة في عمق التراث العربي الموسيقي، وما دامت شخصيته العربية الموسيقية مكتملة التكوين.
تحول هذا المؤلف الكبير إلى أستاذ يزدحم حوله التلاميذ، فكانت تلميذته الكبرى أم كلثوم. وتأثر به رياض السنباطي تأثرا واضحا للغاية بخاصة في الأفلام التي لحنا أغنياتهما معا: نشيد الأمل، يا مجد، ياللي صنعت الجميل، قضيت حياتي، افرح يا قلبي.
وممن تتلمذ على القصبجي في مرحلة من مراحلهم: فتحية أحمد، نجاة علي، منيرة المهدية، ثم ليلى مراد ونور الهدى وسعاد محمد، وبخاصة أسمهان. وامتد أثر القصبجي إلى محمد الموجي الذي لحن سنة 1954 نشيد الجلاء لأم كلثوم.
وتوحي موسيقى القصبجي على الدوام أنها مكتوبة لفرقة كبيرة، ولا يقدر التخت الصغير على أعبائها التعبيرية والهارمونية جميعا، حتى قالت أم كلثوم فيه قبل وفاتها: إنه موسيقي عالم سبق عصره". ولم يكن هذا القول بغريب من سيدة الغناء العربي التي قطفت أمجاد لحن القصبجي لمونولوج "إن كنت أسامح وانسى الأسية".
لقد أحصى محمود كامل ثلاثمئة وستين أغنية للقصبجي، وهذا العدد من الأغنيات يعد كبيرا جدا إذا قورن بعدد سنوات خصبه الأربع والعشرين، وإذا أخذت في الحسبان جودتها.
ولعل قلة تؤثر عن القصبجي عمله المسرحي الغنائي إذ لحن:
• * المظلومة
• * حرم المفتش
• * كيد النسا
• * نجمة الصباح
وقد شاركه عبد الوهاب بثلاثة ألحان في المسرحية الأولى، لكن القصبجي أقلع عن هذا الفن الذي لم يكثر فيه، وانصرف إلى الأشكال الأخرى من التلحين:
• 13 دوراً غنى منها على الخصوص الشيخ أمين حسنين وزكي مراد
• موشح وحيد مُرّ عيش هان {على مقام الجهاركاه}
• 30قصيدة: غنى منها على الخصوص أم كلثوم وأسمهان وفتحية أحمد وكارم محمود وسعاد محمد وعبد الغني السيد ووردة الجزائرية ونجاة علي ونازك.
• 43 مونولوجا: غناها على الخصوص صالح عبد الحي وأم كلثوم وأسمهان ومنيرة المهدية وفتحية أحمد ونجاة علي.
• 182 طقطوقة: غنى منها من ذكرنا من المطربات والمطربين ومعهم ليلى مراد ورجاء عبده وغيرهم.
وكانت له إحدى وتسعون أغنية أحصيت في 38 فيلما سينمائيا.
لكن أهم التجديد الذي أحدثه القصبجي في الموسيقى العربية المعاصرة، أحدثه في إنشائه المونولوج، ثم في تطوير شكل الطقطوقة بخاصة في الأغاني السينمائية التي غنتها أسمهان وليلى مراد.
والمونولوج ليس هو الأغنية الإنتقادية التي اشتهر بها كل من ثريا حلمي وإسماعيل يس ومحمود شكوكو، بل هو نوع موسيقي ظهر في الغناء العربي سنة 1815 وثبت القصبجي أحد أشكاله سنة 1928 في أغنية: إن كنت اسامح على ما سلف. والمونولوج مستوحى من الآريا في الأوبرا الإيطالية، حيث يقف البطل بين حدثين من أحداث الأوبرا، فيطلق العنان لعواطفه ويشكو لواعج قلبه في وقفة وجدانية مسرحية تأملية، يروي فيها واقعات ويعرب عن مشاعره. وهي تتميز بأن الكلام سردي وصفي وجداني في العموم، وبأن اللحن لا تتكرر فيه المقاطع أو المذاهب، وقد لا تتكرر أي من الجمل الموسيقية إطلاقا. ولا يتضمن المونولوج مذهبا ولا أغصانا متشابهة، وقد يتضمن مشاهد موسيقية متلاحقة مختلفة تفصلها لوازم.
لقد كان الشيخ زكريا أحمد أول من بدل ألحان الأغصان في الطقطوقة، غير أن محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي ورياض السنباطي أضافوا كلّ تطويرا من عنده على الطقطوقة دمج فيه المذهب أو جزءا منه بآخر الغصن، فم يعد المذهب مستقلا، ثم بدل لازمه لتناسب كل لازمة مقام الغصن الذي يليها. وقد كانت إغنيات القصبجي وبخاصة في الأفلام السينمائية من أجمل ما لحن، ومن أهم النماذج التي نسج على منوالها تلاميذ القصبجي بل أقرانه. وكانت للمطربات اللبنانيات اللواتي توافدن على عاصمة الفن العربي القاهرة، حصة وافرة، فغنت له سعاد محمد إحدى عشر أغنية، وكذلك غنت له نور الهدى التي قال فيها إنها أكثر المطربات إحساسا باللحن وأمانة في أدائه، إحدى عشر أغنية أيضا.
بالإضافة إلى ذلك كله، يعد القصبجي في رأي المتخصصين سيد عازفي العود في القرن العشرين، برغم أن ثمة أسماء متداولة على مقربة من هذه المكانة. وإذا كانت تسجيلات عزف القصبجي على العود المنفرد شبه نادرة عند عامة المستمعين، فإن في إمكان المستمع أن يطمئن، إلى أن العود الذي يستمع إليه في جميع أغنيات أم كلثوم حتى الأطلال هو عود القصبجي. فلما مات سنة 1966 امتنعت كوكب الشرق عن إعطاء مكانته لأحد خلفها على المسرح، فظلت فرقتها بلا عود حتى اضطرت إلى ضم عبد الفتاح صبري العواد المجيد إلى فرقتها.
كان للقصبجي مجموعة كبيرة من الأعواد في بيته، لا لحبه التحف فقط، بل لأنه كان باحثا نظريا وعمليا في الموسيقى أيضا. وأخذ هذا العلم عن والده وصديق والده الملحن والعالم الموسيقي كامل الخلعي، الذي علمه كذلك الموشحات. فلم يكن غريبا أن تكون للقصبجي آراء في صناعة العود، إذ ينصح ألا يزيد طول وتره على ستين سنتمترا. واستدعاه معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية في القاهرة مرارا للاستماع إلى آرائه في المقامات العربية وعلاقة بعضها بالبعض، وأقرت هذه الآراء واستبعد ما يخالفها.
إن هذا الفنان الكبير المتواضع الذي كان يقول، وهو سيد العود، إنه يخشى أن ينشز العود وهو في حضنه، أستاذ في تعليم الفنانين أن يرهبوا الفن ويحترموا المستمع أيضا.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:20 PM
الشيخ زكريا أحمد
كان الشيخ زكريا أحمد أشد كبار الموسيقيين العرب تعصبا لعروبة موسيقاه، وأوضحهم في انتمائه المصري الأصيل. والده أحمد صقر وكان من أنصار الحامولي. تزوج من فتاة من أسرة تركية، أنجبت له بنات فيما الذكور منها كانوا يموتون في أسبوعهم الأول، إلى أن رزقوا بزكريا بعد واحد وعشرين طفلا ماتوا.
أرسل زكريا إلى كتاب الشيخ نكلة قرب منزله، كان والده شديد الوله به يوخشى فقدانه، وكان ال*** نبيها سريع الحفظ، لكنه كان شقيا أيضا. وقد طرد من الكتاب حين عض الشيخ منصور الذي كان ينفض له فروته أي يضربه. فانتقل إلى الأزهر حيث أمضى سبع سنوات لم يبدل في أثنائها شيئا من طباعه. فكان يقلب دبابيس عمامته حتى إذا ضربه الشيخ على العمامة دميت كفه. وفي سن الثالثة عشرة طرد من الأزهر لأنه ضرب الشيخ، فأخذ يميل إلى حضور الموالد والأذكار في السرادقات لسماع كبار الشيوخ والمقرئين والمطربين. وكان يشتري كتب الغناء ويلغفها بغلافات الكتب الجادة.
أدخله والده بعد الأزهر مدرسة ماهر باشا في حي القلعة، فطرد في أول يوم لأنه لم يكف عن الغناء، لا في الفصل ولا في الفسحة، فأخذت حياة الشيخ زكريا في مراهقته تتحول إلى التشرد، فخلع الجبة والقفطان، واختصم خصاما شديدا مع والده إلى أن طلب من الشيخ درويش الحريري في تعليمه وتخفيظه القرآن الكريم، وظل في صحبة الشيخ درويش عشر سنوات، فحثه على الغناء في بطانة الشيخ سيد محمود خادم السيرة النبوية، لكنه لم يلزمها غير أشهر وعاد إلى فرقته الحريري الذي أجازه في حضور الحفلات وإحياء المآتم والأذكار والاعتماد على النفس. فيما بعد التحق بفرقة الشيخ إسماعيل سكر للقراءة والإنشاد، فعظم صيته في القاهرة والأقاليم حتى استدعاه السلطان محمد رشاد إلى الأستانة لإحياء إحدى الحفلات العظيمة.
وبدأ زكريا يطفو في الأرياف يسمع الناس ويستمع إليهم، وأخذ يكتنز تراث الفلاحين، ويضم حصاده إلى حصيلة عشر المنتديات في القاهرة، وقد أخذ مع الوقت يعرض عن الغناء الديني ويقبل على الطرب والموسيقى، حتى يئس الشيخ درويش الحريري في تحفيظه القرآن، فحفظه آيات معلومة تناسب احتفالات بعينها.
لم يخض زكريا غمار المسرح الغنائي قبل موت سيد درويش إلى مرة فقط، كان ذاك سنة 1916، حين اجتمع طلاب يهوون التمثيل منهم حسين رياض وحسن فايق، فشكلوا فرقة ودعوا زكريا إلى تلحين روايتهم: فقراء نيويورك، فلحنها مجانا ثم انقطع عن هذا الصنف من التلحين حتى عاد إليه سنة 1924.
وقد ***ن إحصاء ثلاث وخمسين مسرحية غنائية لحنها زكريا، وتراوح عدد ألحانه في كل منها، من ثمانية ألحان إلى اثني عشر لحان، إلا "دولة الحظ" فكان له فيها سبعة ألحان. وبلغ عدد أغنياته المسرحية خمسمائة وثمانين لحنا حتى حظي كثير منها بشهرة واسعة.
إن مسرحيات الشيخ زكريا كانت امتدادا لتراث سيد درويش، فتضمنت مسرحياته نقدا عنيفا وحكما، تصوير للأوضاع الإجتماعية ونقد هادئ وعنيف في أحيان، واستخدم أسلوب تمثيل الممالك الخيالية لنقد السلطة. وإلا جانب الصور الإجتماعية التي حفلت بها المسرحيات، احتشدت أيضا بالتصوير الوجداني للشخصيات والمشاعر. وزكريا كان متفوقا على أقرانه في هذا الفن المسرحي، حيث كان غزير الألحان سريعها إذا شاء أو اضطر.
أما ظهور السينما في المسرح الغنائي، فكان له أثر حاسم، ولم يكن زكريا استثناء في انتقاله من العمل المسرحي الغنائي إلى العمل للسينما الغنائية. وقد اشترك في تلحين أغنيات سبعة وثلاثين فيلما، تضمنت إحدى وتسعين أغنية من ألحانه، اشتهر معظمها اشتهارا عظيما. ولا بد في مجال تلحين الشيخ زكريا للأفلام من ذكر وراثته في تصوير المشاهد الجماعية عن الشيخ سيد درويش وهو فن ورثه عنه سيد ماوي في "اللية الكبيرة" وغيرها. وتبدو قدرة الشيخ زكريا على هذا التصوير في أوجها في أحد مشاهد فيلم "ليلى بنت الفقراء"، مشهد م*** السيدة زينب، حيث ينشد زكريا وهو معمم، وحوله بطانته توشيحا جميلا.
طور زكريا أحمد في الغناء العربي الطقطوقة والدور. ولعل في هذا دلالة أخرى على أصالته الفطرية. فأعطي أربعة أزجال وطلب أن يلحنها طقاطيق لشركة بطرس بيضا واشترط على الشركة ألا يلحنها غيره. إلا أنه انصرف منذ موت سيد درويش إلى المسرح الغنائي، فيما كانت أم كلثوم تتدرج في مدارج الشهرة مع الشيخ أبو العلا والدكتور صبري النجريي ومحمد القصبجي، فبدأ على الفور تطوير الدور والطقطوقة في أغنيات خالدة لحنها. وثمة قول شائع أن أو طقطوقة طورها زكريا هي "جمالك ربنا يزيده" غير أن ثمة إجماعا على أن طقطوقة "إللي حبك يا هناه" هي أول ما غنت أم كلثوم من ألحان زكريا.
وأهم الطقاطيق التي لحنا زكريا لأم كلثوم:
اللي حبك يا هناه
جمالك ربنا يزيده
قالوا لي إيمتي قلبك
الليل يطول ويكيدني
ليه عزيز دمعي تذله
أكون سعيد
العزول فايق ورايق
مالك يا قلبي حزين
ناسية ودادي وجافياني
ولا شك في ان تطوير زكريا لشكل الطقطوقة أرشد محمد عبد الوهاب والقصبجي والسنباطي إلى التوسع في ابتكار أشكال للطقطوقة، حررتهم في معالجة هذا النوع في أغنيات الأفلام التمثيلية، ثم في الأغنيات المسرحية، والأغنيات الطويلة.
أما موشحاته وتواشيحه التي لم تغنها أم كلثوم تكاد لا تحصى منها:
يا جريح الغرام
يا هلال السما
يا رشيق القوام
يا من يرجى
يا وردة وسط الرياض
يا أيها الحادي اسقني
زارني والليل حالك
يا نسيم الصبا
وغيرها من الموشحات.
ويصطلح إجمالا على أن الشيخ زكريا كان أغزر الموسيقيين العرب تلحينا في العصر الحديث، إذ قدر عدد الأغنيات التي لحنها بنحو 1070 أغنية، وقد بدأ يلحن سنة 1916 على ما سلف. وأول من غنى له صالح عبد الحي وعبد اللطيف البنا ومنيرة المهدية وفتحية أحمد وغيرهم من كبار عالم الغناء في ذلك الزمن.
وفي أواخر سنة 1953 أصيب الشيخ زكريا بالذبحة الصدرية الأولى. وكانت قضيته مع الإذاعة وأم كلثوم قد وصلت إلى مرتبة خطيرة من العنف والشدة. وكان مرضه بالتمام في اليوم الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 1953. كان الشيخ حساسا للغاية، لكن قليلا من الإطراء الصادق يغنيه عن ثروة.
إن زكريا أحمد يمتاز دون غيره من الموسيقيين العرب الكبار بمزاجه الخاص ذي المقومات المركبة. وأول ما يخطر ببال مصنفيه، أنه محافظ يعاند التطوير والتبديل. وهذا في الواقع تصنف غير دقيق. فالشيخ زكريا طور شكلين من أهم أشكال الغناء العربي، وأسهم في تطوير أشكال أخرى، لكن تطويره لم يمس آلات الموسيقى العربية أو المقامات العربية أو الإيقاعات. فأسس تطويره على ملامح عربية أصيلة، فحفظ المضمون وبدل في الأشكال، منطلقا من الأشكال الأصلية، ولذا قد يهم الناس في جعله رجعيا في الفن، وهو خلاف ذلك.
وقد قيل عنه أنه جاهل لأنه لم يكن عالما بالأساليب الغربية في الموسيقى. لكن الشيخ زكريا كان مثقفا كبيرا في ثقافته العربية. وكان لا يفوت لحنا إلا حفظه، حتى سماه كامل الخلعي: "الملقاط"، وفي الآداب كان يؤثر كتابي أبي حيان التوحيدي "الإمتاع والمؤانسة"، والجاحظ "البخلاء". بل كان شاعرا مفطورا، طغى حسه الموسيقي على فطرته الشعرية، فطمسها.
وظل زكريا في الواقع يؤلف حتى أخر عمره، وإن لم ينشر. وكان يعدل الأزجال التي لحنها، ومنها أنه اقترح إبدال "أنا في انتظارك" من "أنا في استنظارك" فوافقه بيرم. ولم يكن حسه الشعري ضمانا لانخراطه في مجموعة بيرم التونسي وبديع خيري قلبا وقالبا فقط في هواهم السياسي والإجتماعي، بل كان هذا الحس الشعري يثرى كذلك حسه لإيقاع الكلمة والنغمة حين يغني.
وغناء الشيخ زكريا أحمد غناء مهم، على رغم جشة صوته، بل كان غناؤه مدرسة لكثير من المطربين، إذ كان يمتاز بعناصر منها:
النبر المؤخر، وهذا هو أوضح سمة في تقطيعه الغناء كما في ترداده لكلمة "جميل"، في جملة: "الورد جميل جميل جميل جميل الورد"، وينم نبره المؤخر الإيقاعي عن إحساس كامل وسيطرة مطلقة على إيقاع الكلم وتفعيلات الموازين. وكانت هذا السيطرة تبيح له التصرف بتقطيع الجمل كيفما يشاء.
العرب القديمة في الغناء والخنفة الموروثة عن أسلوب الإنشاد في القرن الماضي. وإذا تسنى سماع درويش الحريري في غنائه موشحاته، او داود حسني في أدوراه، فلن تظل ثمة غوامض في جذور زكريا وأصوله.
عرض صوته، وكان يستخدم الطبقات المنخفضة في تلوين غنائه على الدرجات المختلفة. من ذلك غناؤه: "ليلي ليلي يا ليل" في اللازمة الموسيقية التي تسبق مقطع: ويقصروك يا ليل، من أغنية: "أهل الهوى يا ليل".
الدقة في التلوين المقامي، إذ كان إحساسه للسكك المقامية في غنائه واضحا وضوحا مطلقا، فلا يترك ندحة للالتباس، ويؤدي بذلك تغييره المقام أثرا انفعاليا مضاعفا.
التصرف العبقري باللحن، وذلك الفضل فيه لخياله الموسيقي الخصب، ذي المؤونة الثرية بالموشحات وألوان التدويد والإنشاد.
كان زكريا غزير الألحان، لم يكن متفوقا بالكثرة بل بالجودة أيضا، لأنه كان يؤثر إنضاج العمل الوسيقي، إنضاجا صحيحا، ولو اقتضى طويلا، ولم يكن الشيخ زكريا ممن أدركتهم لوثة عقدة الغرب. ولم يكن من أولئك الذين يؤمنون اليوم في مصر وغير مصر، أن العلوم الموسيقية هي العلوم الموسيقية الغربية وحسب. كان يعرف أن جهل الموسيقى موسيقاه العربية وأصولها وجذورها، هو جهل ولو امتلك علوم الغرب الموسيقية كلها.
إن العنصر الإنفعالي في موسيقى الشيخ زكريا هو أعظم ما تتصف به ألحانه من حيث المضمون. وهو يتبع في المعتاد لتصعيد الانفعال في ألحانه أسلوب التتالي، وهو أسلوب ترداد فقرة موسيقية على درجة أعلى أو أخفض، مثنى وثلاث، حتى بلوغ ذروة الانفعال.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:24 PM
رياض السنباطي
رياض السنباطي سنة 1906 في بلدة فارسكور، من أعمال دمياط لشيخ مقرئ تعود الغناء في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى والبلدات الريفية المجاورة. وتفتح أذنا الفتى الصغير على أبيه يعزف على العود ويغني الغناء الأصيل والتواشيح الدينية. فلما بلغ التاسعة من عمره، ضبطه والده عند جارهم النجار، هاربا من المدرسة يضرب على العود، سمعه يغني أغنية الصهبجية: " ناح الحمام والقمري على الغصون "، فطرب لصوته، وقرر أن يصطحبه إلى الأفراح. وفي ذلك العهد خاتمة عصر سلامة حجازي وفاتحة عصر سيد درويش، كانت لمصر دنياها، وللأرياف دنياها. لكن بداية ظهور الأسطوانة والفونوغراف سنة 1904 مكنت الصلة بينهما. فاستمع الفتى الصغير إلى عبد الحي حلمي ويوسف المنيلاوي وسيد الصفطي وأبي العلاء محمد وغيرهم. بيد أن أستاذه الأول كان والده الشيخ محمد، في أغنيات لمحمد عثمان وعبدة الحمولي.
أخذ السنباطي يجول مع والده في الأرياف بعدما استقروا في المنصورة، وبدأ الفتى يشتد عودا في الغناء، ويطول باعا في العزف، حتى لقب بـ" بلبل المنصورة " وهو لما يزل في الثانية عشرة من عمره.
كان السنباطي في السابعة عشرة من عمره حين مضى إلى القاهرة واستقر فيها، ولم يلبث أن دخل معهد الموسيقى العربية تلميذا، فارتأى معلموه أن هذا الفتى الناحل يعلم من فنون والده أكثر مما يعلمون، وأنه يضرب على العود أحسن مما يضربون، فعينوه أستاذا لتعليم الموشحات والعزف على العود في المعهد، واعتد بشبه إجماع في طليعة عازفي العود العرب، إن لم يكن أعظمهم. هناك كان رياض يلتقي أمير الشعراء أحمد شوقي والمطرب الشهير الذي كان يرعاه: محمد عبد الوهاب. ويروي السنباطي أن أول لحن وضعه ليغنيه هو قصيدة شاعر المنصورة على محمود طه: " يا مشرق البسمات أضئ سماء حياتي".
في صحبة هؤلاء القوم أخذت مشاعر بلبل المنصورة ترتقي، ومداركه تسمو، فاستساغ الشعر الذي أوحى إليه فيما بعد أعظم ألحانه. وكان من شأن هذه العشرة أنها شدت عريكته في الفن وألهمته الصرامة والجد وابتغاء المستوى والتميز واجتناب السهولة وإغراء الرواج الرخيص. وتعرف على حسين المنسترلي فعرفه بشركة {أوديون} الشهيرة للأسطوانات وأخذ يسجل لديها ألحانه لقاء أجر زهيد جدا، فغنى بصوته لكنه آثر التلحين. فغنى له عبد القادر "أنا أحبك وانت تحبني"، وغنت له منيرة المهدية أوبريت {عروس الشرق}، فاشتهرت شهرة طيبة وغنى له عبد الغني السيد {يا ناري من جفاك}.
قبل عام 1948 ظهرت ملامح التلحين بالأسلوب السنباطي المعتمد على الإيقاعات العربية الوقورة، والبحور الشعرية التقليدية الفسيحة، والكلمة الفصحى التي تقتضي في الإجمال لحنا مركزا، والسكك المقامية الراسخة البعيدة عن المغامرة، لكن كثيرا من ألحان السنباطي قبل 1948 كانت تنم منها أعراض التأثر المباشر الصريح بمن عملوا معه من عباقرة اللحن، فانصرف إلى أسلوبه الخاص يعلي صرحه لبنة لبنة، حتى اختلط الأسلوب الكلثومي في الغناء بالأسلوب السنباطي في التلحين، و***ن لرياض أن يقول: {قصة حياتي هي أم كلثوم}.
أما مرحلة الكلثومي، فهي الخطيرة من عمر السنباطي، بدأت بلحن من أكبر ألحانه: "رباعيات الخيام"، التي يعدها ثالث الإثنين تحفة عمره، مثلما يحق لكل من السنباطي وأم كلثوم أن يعدها تحفة عمره. وكان أول ما لحنه من الرباعيات، الرباعية البادئة بقوله: "أطفئ لظى القلب بكأس الشراب"، فأبدل من الكلمتين الأخيرتين عبارة: "بشهد الرضاب"، عملا بمسالك الوقار الذي وسمه في كل مناحي نشاطه. وفي السنة نفسها غنت له أم كلثوم قصيدة "النيل" التي قالت فيها إنها معجزة شوقي، وقال فيها عبد الوهاب إنها من أجمل ما وضع السنباطي من ألحان. وغنت أيضا: "ياللي كان يشجيك أنيني"، ولحن في السنة التالية أغنية: "سهران لوحدي" التي أخذت أم كلثوم شعرها من محمد عبد الوهاب سنة 1944.
وكرت سبحة الكلثوميات الكبيرة: يا ظالمني- وجددت حبك ليه- ذكريات، وفي سنة 1958 ظهرت مجموعة من الكلثوميات المشهودة التي أرست طابع الأغنية السنباطية المسرحية: أروح لمين- أنا لن أعود إليك- شمس الأصيل وعودت عيني وغيرها من الأغاني.
لم تكن القصيدة العربية وحدها هي التي وسمت ملامح نتاج السنباطي الكلثومي، وهي ملامح أثرت حتى في أغنياته الزجلية الكلثومية أيضا، بل اتخذت الأغنية الدينية والقصائد الوطنية مكانتها في تشكيل هذا الصرح. وكانت لأمير الشعراء الحصة الكبرى في اغنيات أم كلثوم الدينية: من سلوا قلبي إلى نهج البردة الخالدة المعارضة لبردة البوصيري.
ولحن السنباطي الكثير من أغنيات أم كلثوم السياسية والوطنية، فبلغت ثلاثا وثلاثين، أشهرها نشيد الجامعة ونشيد بغداد ، وقصيدة "النيل" وغيرها.
ويجمل جبرائيل سعادة مجموع ما غنت أم كلثوم من أنغام السنباطي، بست وتسعين أغنية: إحدى وعشرين قصيدة وأربعة عشر مونولوجا، وثلاث عشرة طقطوقة، وثلاث وثلاثين وطنية، وخمس عشرة أغنية سينمائية. أما المصري وكامل فيحصيان إحدى وتسعين أغينة من ألحانه.
أشكال الأغنية السنباطية:
• حيرت قلبي معاك: مطلعها مطول يضم خمسة أبيات تغنى بعد المقدمة الموسيقية. والأغنية بعدئذ تحتوي على ثلاثة مقاطع: "يا قاسي"، و"يا ما ليالي"، و"خاصمتك"، وهي مختلفة الألحان. لكن ختام كل مقطع يعاود بالكلام نفسه واللحن نفسه ختام المطلع: "بدي أشكيلك". ولذ يتعذر القول إنها من شكل المونولوج المقيد، لأن ختام المقاطع هو مذهب غير مستقل يعاود اللحن على الكلام نفسه. وكذا يصعب القول إنها طقطوقة لأن كل مقطع أشبه بمونولوج مستقل اللحن والمزاج. والمقطع الأخير جزء كبير منه مرسل. وإنما هذا شكل أساسي من الأشكال التي نسج عليها السنباطي كثيرا من أغنيات أم كلثوم المسرحية.
• أروح لمين: تبدأ بالمقدمة الموسيقية ثم المطلع: أروح لمين وأقول يا مين. ثم ثلاثة مقاطع أيضا: "كلمة ونظرة عين"، و"يطول بعدك"، و"أروح لمين". وهي جميعا مختلفة الألحان، لكنها تنتهي إلى لحن موحد على كلام خفيف: "لوعني حبك"، و"لحد إمتى"، و"شوف دمعي جاري"، والأخير مختلف قليلا في البدء، لكنه ينتهي إلى الختام ذاته: "أروح لمين وأقول يا مين ينصفني منك"، وهذا على شكل الأغنية السابقة، لولا تبدل كلام الختام في المقاطع الثلاثة.
• لسه فاكر: مقدمة موسيقية ثم ثلاثة مقاطع.
• يا ظالمني: إحدى أعظم الأغنيات الكلثومية السنباطية المسرحية، وهي تتضمن مقدمة موسيقية ومطلعا وثلاثة مقاطع.
• دليلي احتار: مقدمة موسيقية، ثم مطلع قصير متصل بالمقطع الأول.
• غلبت أصالح بروحي: مونولوج مقيد نموذجي، علاوة على أنها من أجمل الغناء العربي على الإطلاق. المقدمة الموسيقية فيها طويلة ومركبة وجميلة، المقطع الغنائي في المقابل قصير، من بيتين.
القصيدة السنباطية:
• مصر تتحدث عن نفسها: قصيدة مطلعها وختامها على مقام واحد على ما يقتضيه شكل قصيدة الشيخ أبي العلاء. وهذه القصيدة مقامها الراست، وهي مقسمة إلى خمسة مقاطع، وملحنة على مبدأ القصيدة التقليدية، إذ تتفق الجملة الموسيقية مع طول البيت أو مع عدد من الأبيات. وفي هذه القصيدة خمسة مقاطع: أولها أربعة أبيات تبدأ بقولها: "وقف الخلق ينظرون جميعا"، وهي ملحنة على مقام الراست. تلي المقطع الأول لازمة شبيهة بالمقدمة الموسيقية، وتبدأ من الدرجة الموسيقية ذاتها، لكنها على مقام الحجاز لأنها تمهد للمقطع الثاني وهو على مقام الحجاز: "أنا إن قدر الإله مماتي". ومن الدرجة الموسيقية ذاتها لازمة على مقام البياتي تمهيدا للمقطع الثالث: "كم بغت دولة علي"، ثم لازمة أخرى مشابهة، على مقام الكورد للمقطع الرابع: "أمن العدل أنهم"، ويتكرر الكورد في المقطع الخامس: "قد وعدت العلا"، الذي تعود فيه عند قولها: "وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق" إلى مقام الراست، من أجل أن يعود باللحن إلى ختام المقطع الأول: "أنا تاج العلاء في مفرق الشرق". إنها أغنية من أقوى ما وضع السنباطي سبكا وفكرا موسيقيا، ولحنها من أجمل ما لحن.
• سلو قلبي: قصيدة أخرى من القصائد الكلثومية التي وسمت طابع الأغنيات السنباطية المسرحية، وهي مسبوكة سبكا ينم عن تفكير موسيقي خطير بلغ ذروة قلما تدرك. والعمود الفقري في شكل هذه القصيدة هو اللوازم الموسيقية التي تتردد بانتظام محسوب وبتبديل مقامي مرتب. واللوازم تمهد مرة لإعادة ما سبقها من أبيات، ومرة تمهد لأبيات جديدة، على مقام جديد. ولذا فإن لحن خواتيم الأبيات كثيرا ما يناسب لازمتين على مقامين مختلفين في آن، وبيان ذلك: أن القصيدة على مقام الراست، وهي تبدأ وتنتهي إذن على هذا المقام.
لقد تأثر السنباطي بعبد الوهاب وبالقصبجي. وكان أثر زكريا أحمد فيه أقل بيانا، لكن السنباطي ككل فنان عظيم حين ينضج ويشتد عوده، اختط لنفسه سبيلا خاصة به، بدت واضحة على الخصوص في كلثومياته. فإيقاع لحنه اتخذ إيقاع البحور الشعرية العريضة التي استساغتها أم كلثوم، وإيقاع الكلمة العربية الفصحي ذات البيان والوقار. وكذا اتسمت بالوقار سككه المقامية التي تجنبت مغامرات التلوين غير المألوفة، وصاغت القفلات المسرحية صياغة متأنية تتصاعد تصاعدا مدروسا ينتزع الآه من القلوب، وأحيانا الطرابيش من الرؤوس. ولعل تمرس السنباطي في أغنيات أم كلثوم المسرحية طوال عقود، جعله سيدا لا يجارى في هذا اللون. والخبراء يعلمون ما للغناء المسرحي من متطلبات دقيقة، هي الحد الفاصل بين الفشل والنجاح.
أما المضمون النغمي، فيرى نقاد كثر أن السنباطي اتخذ اللون الصوفي، فنسج منه قماشة ألحانه السنباطية الخالصة، وفصل منه عشرات الأغنيات التي تسمعها، فلا تخطئ فيمن لحنها. ولا شك في أن أجواء القصائد التي اختار السنباطي أن يلحنها، أوحت إليه بمستواها الراقي، ألحانا من المستوى والأجواء نفسها.
ولألحان السنباطي سمة أخرى هي أنه ينسج الأغنية من أولها إلى آخرها على مزاج واحد لا يفارقها. ولم يكن ذلك مسلك عبد الوهاب والقصبجي، في معظم ألحانهما، إذ انصرفا إلى التجديد. وثمة من يحب أن يضيف إلى ملامح الأسلوب السنباطي الخاص، المكوث على الطابع العربي الخالص، لا تخالطه بدعة ولا هرطقة.
وكذلك فإن السنباطي لم يكن صارما مع الآخرين فقط، بل مع نفسه أولا، فرفض لألحانه الإنحدار بعدما أدركت الذرى. ولعل من يقارن السنباطي بعبد الوهاب كمن يريد استعادة قول الفرزدق في مقارنة نفسه بجرير، إذ قال: جيده أجود من جيدي، ورديئه أردأ من رديئي.
وكذالك لحّن رياض السنباطي "شمس الأصيل"، و"مصر التي في خاطري"، فكان بعضا من أهرامها، وفرعا من نيلها، ووجهة نظر عبقرة في الموسيقى العربية المعاصرة.. وجهة نظر استطاعت بحجمه أن تدخل التاريخ، حتى قبل رحيله.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:26 PM
بليغ حمدي
هو بليغ عبد الحميد حمدي سعد الدين *** الفنان (بليغ حمدي) في اليوم السابع من اكتوبر عام 1934 بمدينة القاهرة بمنزل والده استاذ مادة الترجمة والمترجم المعروف.
وبعد انتهاء بليغ من دراسته الثانوية، التحق طالبا بكلية الحقوق جامعة القاهرة، ثم عاش هاويا للموسيقى والغناء، اذ كان صاحب صوت جميل، وله حاليا في مكتبه الاذاعة المصرية تسجيلات بصوته تشهد بذلك وكلها من الحان غيره من الملحنين.
استمع الجمهور الى بليغ حمدي مطربا لأول مرة فيما كان يسمى بركن الهواة، ثم لحن للمطربة عواطف محمود كامل الخطيب (فايدة كامل) لحنا اجازته لجنة الاستماع بالاذاعة، وبذلك اصبح ملحنا بالاذاعة وغيرها. وقد تدرج بجهده حتى اصبح يعد الآن من بين الصفوة من الملحنين الكبارن وإن كان من ناحية السن يعد ابنا لمحمد القصبجي ورياض السنباطي.
واذا كان بليغ حمدي يعتبر من الملحنين المتحررين من اي قيد يحول بينه وبين التحليق في سماء الفن الذي عشقه منذ ان فتح عينه على الدنيا، ومنذ ان التقطت اذناه النغم مردودا في ابسط صوره، على فم بائع عنب او نازح من الصعيد يبعث في ظلام الليل على نجاح (موال نعماني) اشواقه لمن راعاه في البعاد بالعين وبالتيه، فان بليغ لم يترك بابا يأنس من ورائه شعاعا من فائدة فنية الا ولجه.
على إن بليغ حمدي قد اتخذ من إلغاء القديم ركيزة لفنه، وبعد سنوات من السير على الشوك مع عبد الحليم حافظ، اعترفت الإذاعة بقدرتهما الفنية، وراح بليغ يجاهد نفسه التي كانت رغبتها تنصرف إلى الغناء، حتى سيطر عليها، وتم له تحويلها نحو التلحين، الذي كانت عناصره الكاملة كافية فيه، ومستوفاة عنده، حتى إذا ما استقام القطار على قضبانه الحديدية، انطلق في سبيله نحو غايته، متنقلا من محطة نجاح إلى محطة نجاح، والتوفيق في ركابه وصفارات الإعجاب تزغرد له على طول الطريق.
وعندما استمعت إلى ألحانه كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم، غنت له (حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه) وتلته عدة الحان ناجحة، منها (انساك ده كلام، الحب كده، الف ليلة )... وبوصول بليغ حمدي إلى التلحين لام كلثوم يكون قد بلغ مرتبة شعراء المعلقات الخالدة على أيام الجاهلية، الذين كانوا يعلقون قصائدهم على أستار الكعبة تعظيما لها وإكبارا لقدرها الممتاز.
مع حق بليغ حمدي علينا أن نذكر بعض غنائياته التي نجحت مع المطربات المجيدات مثل (الطير المسافر لنجاة الصغيرة، وحشتوني لوردة، ردوا السلام لتلميذته النجيبة عفاف راضي).
وفي مجال هام هو مجال المسرح الغنائي، علينا ان نذكر انه ساهم في مسرح الدولة بتلحين اوبريت عرضت على مسرح دار الاوبرا المصرية القديمة .
كما ساهم بتلحين اوبريتات واستعرضات غنائية في المسارح الخاصة والسينما والتلفزيون.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:28 PM
محمد الموجي
الموسيقار محمد الموجي، موهبة فذة في تاريخ الغناء العربي، حتى أن ألحانه الفطرية يتم تدريسها الآن في معهد الموسيقى العربية. صعد الموجي سلم التلحين بسرعة، وأصبح القاسم المشترك في نجاح أم كلثوم، والعندليب عبد الحليم حافظ، وغيرهما من قمم الغناء، في زمن الفن الأصيل. في السطور التالية يتحدث ابنه الملحن الموجي الصغير عن مشوار حياته.
يقول الموجي الصغير : *** محمد الموجي عام 1923 في مدينة كفر الشيخ المتاخمة للإسكندرية. كان يهوى الغناء، وقد لا يعرف الكثيرون انه بدأ حياته الفنية مطربا قبل أن يتجه إلى التلحين، الذي برع فيه وبرزت من خلاله موهبته الحقيقية. أما ميلاده كملحن فقد كان مع عبد الحليم حافظ، الذي غنى له "صافيني مرة"، التي كانت أيضا سببا في بزوغ نجم العندليب، الذي كان قد اكتشفه الموسيقار الراحل كمال الطويل. وهكذا فقد ارتبط الموجي والعندليب في رحلة غناء ناجحة جدا، غنى خلالها المطرب الأسمر 88 أغنية من ألحان الموجي، اشهرها (ياحلو يا اسمر)، (يا مواعدني بكر) ،(ظالم)، (تقوللي بكرة)، و(قارئة الفنجان).
أول لقاء بينه وبين فايزة أحمد كان من خلال أغنية (أنا قلبي إليك ميال)، وبعدها غنت من ألحانه (يمه القمر ع الباب)، وقد لاقت نجاحا كبيرا. وربما كان هذا النجاح هو الذي قدمه إلى كوكب الشرق، التي سعت إليه بنفسها لتغني من ألحانه.
كان الموجي يحلم بأن تغنى كوكب الشرق من ألحانه، ولم يصدق نفسه عندما اتصلت به ودعته إلى زيارتها في بيتها.
هناك في منزل الست التقى الموجي بالعملاقين، الشاعر أحمد رامى، والموسيقار محمد القصبجي.
كان الموجي يخشى هذا اللقاء ويتمناه في الوقت نفسه، وقد خرج منه أكثر ثقة في نفسه، وموهبته بعد أن أشاد به القصبجى وقال له: {أنت القصبجي الجديد}.
إنتهى اللقاء بأن عهدت إليه أم كلثوم تلحين نشيد "الجهاد"، الذي غنته في نادي الجلاء للقوات المسلحة بالقاهرة. بعد انتهاء الحفل أخذت سومة الموجي من يده، وقدمته للجمهور، الذي كان يضم في هذا الحفل قيادات ثورة يوليو 1952، بينهم جمال عبد الناصر.
بعد ذلك لحن لها أغنيتي (رابعة العدوية)، و (الرضا والنور)، اللتين استغرقتا منه وقتا طويلا كي ينتهي من وضع اللحن. ووصل الأمر بكوكب الشرق أن قدمت شكوى للرئيس جمال عبد الناصر، الذي قال لها مداعبا: {احبسهولك حتى ينتهي من التلحين}.
وإستمرت مسيرة الأغنيات بين الموجي وسومه التي غنت من ألحانه (محلاك يا مصري)، (بالسلام إحنا بدينا)، (يا سلام على الأمة)، و(صوت بلدنا)، وهى كلها أغنيات وطنية حماسية.
أما أغنية (للصبر حدود)، فأدخلت الموجي المحكمة، فقد كانت أم كلثوم قد اتفقت معه على أن ينتهي من اللحن خلال شهر، ومضت الفترة ولم ينته من اللحن، فأقامت ضده دعوى في المحكمة. وما حدث بعد ذلك يثير الضحك، فقد وقف الموجي أمام القاضي الذي سأله: "لماذا لم تنهي اللحن في الميعاد المحدد؟" ورد الموجي: احكم علي بالتلحين فقال له القاضي: حكمنا عليك بالتلحين، ثم رد الموجي قائلا: نفذ الحكم. قال له القاضي: كيف؟ قال له الموجي: افتح رأسي واخرج اللحن.
وترافع الموجي عن نفسة قائلا: أنا لا اعمل كالآلة تضع فيها شيئا فتخرج لحنا" على التو واللحظة، إنها مشاعر وأحاسيس تحتاج إلى وقت كاف حتى يخرج اللحن إلى النور. وسومه ليست مطربة عادية. بعدها قال القاضي: عندك حق يا موجى، سأحفظ القضية، وأنت حر مع أم كلثوم.
ذهب الموجي إلى أم كلثوم يعاتبها لأنه دخل المحكمة بسببها، فقالت أم كلثوم: مهو للصبر حدود يا محمد، وكلما بحثت عنك لم أجدك فأخبرني ماذا أفعل غير ذلك. والوقت ليس في صالحي. يوم تذهب إلى عبد الحليم، ويوم تكون لدى صباح، أو شادية، أو فايزة، فاحترت معاك". وضحك الإثنان، وتم الصلح.
لكنهما اختلفا مرة أخرى على لحن الكوبليه الأخير (متصبرنيش ما خلاص أنا فاض بيا ومليت)، لكن هذه المرة لم يتراجع الموجي ولم يغير اللحن، وترك العود في صالون أم كلثوم، ومضى غاضبا، واعتكف في منزله، ورفض أن يتحدث مع أحد، إلى أن طلبت أم كلثوم من الحفناوي وعبده صالح أن يذهبا إليه، ويقنعاه بالعودة إليها لتناقشه، وهناك اتفقوا على أن تغني اللحن كما هو. ونجحت الأغنية نجاحا منقطع النظير. ولحن بعدها أغنية (اسأل روحك)، وأهدته بعد نجاحها خاتما من البلاتين الأبيض.
أغنية (صافيني مرة)، رفضها كثير من المطربين والمطربات الذين عرضها الموجي عليهم، بينهم عبد الغنى السيد، وعبد المطلب، وشهرزاد، وغيرهم. جميعهم أجمعوا أن اللحن والكلمات ليست من اللون الذي يقدمونه. في نهاية المطاف قدمها الموجي إلى العندليب الذي كان في بداية مشواره الفني، قال عبد الحليم بأسلوبه الضاحك: "سأغنيها ورزقي ورزقك على الله يا موجي"، ونجحت الأغنية نجاحاً باهراً، وبدأ الاثنان الاستعداد لفيلم لحن الوفاء، في الفيلم كانت أغنية (أحن إليك)، ستغنيها شادية، لكنها رفضت، وقالت إن اللحن لا يناسبها لكنه يتناسب مع عبد الحليم حافظ، واضطروا إلى تغيير جزء من السيناريو بسبب الأغنية.. التي غناها العندليب، ونجحت. بعدها غنى من ألحان الموجي (نار ياحبيبي نار).
كان الموجي وعبد الحليم كثيرا ما يختلفان حول كوبليه يا مدوبنى في أحلى عذاب هبعتلك بعنيه جواب، وبعد نجاح الأغنية أخذ عبد الحليم يداعب الموجي: شفت يا محمد الكوبلية اللى انت كنت عايز تغيره عجب الناس.
لكن يبدو كما يقال مفيش حلاوة من غير نار، لأنهما اختلفا مرة أخرى، وغضب الموجي، وقاطع عبد الحليم.
ولم يكن العندليب ليقبل أن يخسر موهبة مثل الموجي. فلجأ إلى أم أمين زوجة الموجي، يوسطها في الصلح بينهما، وهى بدورها لجأت إلى حيلة ذكية لإقناع زوجها، قالت له سوف يحضر اليوم إلينا من البلد أقاربي، فجلس الموجي ينتظرهم، وإذا بالضيف القادم هو العندليب، ودار بينهما عتاب حاد انتهى بالصلح.
لكن كان هناك من يتربص لعبد الحليم والموجي، وأرادوا أن تكون هناك فجوة بينهما، وأشاعوا أن "أم أمين"، تقوم بأعمال السحر لعبد الحليم حتى يظل مريضا طوال عمره، وبدأت الصحف تكتب عن "أم أمين"، وسحرها المزعوم، لكن العندليب خرج عن صمته ليكذب هذه الأخبار.
كلما وقع خصام بين عبد الحليم والموجي، فإن الموجي يتجه للتلحين لمطرب جديد، وقتها، مثل محرم فؤاد، وماهر العطار، وعبد اللطيف التلبانى، وهاني شاكر، وكمال حسنى، إلى أن يعودا معا مرة أخرى.
وكان الموجي قد بدأ ألحانه مع عبد الحليم بالأغنيات العاطفية، ثم كانت الأغنية العاطفية الشهيرة (قارئة الفنجان).
حصل الموجي على الميدالية البرونزية من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1965 ، وعلى وسام العلم، ووسام الاستحقاق من الرئيس السادات عام 1976 وفي عام 1985 حصل على شهادات تقدير من الرئيس مبارك.
وحصل على أوسمة ونياشين من أغلب ملوك ورؤساء الدول العربية.
كان الموجي قد رفض عرضا مغريا قدمته له إحدى شركات الغناء الإسرائيلية التي طلبت أن يلحن لها أغنيات مطربيها مقابل 3 ملايين دولار.
وقد وافته المنية في أول شهر تموز عام 1995 بعد رحلة طويلة مع الألحان والإبداع.
باهر الشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:30 PM
سيد درويش
*** سيد درويش في مدينة الإسكندرية في حي كوم الدلة في 17 آذار مارس عام 1892، وكان أبوه المعلم درويش البحر يمتلك دكانا صغيرة لصناعة النجارة البلدية في حيه، وعندما تهيأ الطفل سيد لبداية حياته المدرسية أراد له والده أن يسلك مسلك العلم والفضل وخط له طريقا يجعله في مستقبله شيخا وموجها دينيا أو إماما أو مدرسا، وابتدأ الطفل يداوم على الكتاب. وبعد تعلمه القراءة والكتابة وحفظه بعض أجزاء القرآن الكريم ترك سيد الكتاب وانتسب إلى المعهد الديني في الإسكندرية تنفيذا لرغبة والده، وداوم في هذا المعهد سنته الأولى.
ويوم دخوله المعهد اشترى له أبوه جبة وقفطانا وعمامة تليق بطلبة العلم الشريف، وحينما ارتدى الطفل سيد هذه الملابس أمام والديه أطلقت الوالدة زغرودة من أعماق قلبها فرحا وابتهاجا واغرورقت عينا الوالد بدموع الغبطة والفرح الأمل والبشرى و في العام الثاني من حياة الشيخ سيد الدراسية في المعهد الديني.
توفي والده المعلم درويش البحر النجار الفقير ولم يخلف له إلا بعض الديون والتزام إعالة أمه وأخته. اضطر سيد إلى قطع مرحلة دراسته وخلع المسكين عمامته وجبته وراح يبحث عن عمل يعيش من وارده، وأول عمل قام به هو بيع الأثاث القديم مع قريب له ثم عمل مساعدا لبائع دقيق ثم مناولا المونة لأحد مبيضي النحاس. كان الشيخ سيد خلال عمله يترنم بجمال صوته بألحان قديمة معروفة وكان زملاؤه العمال أثناء سماعهم هذه الألحان يقبلون على عملهم بحماسة ورغبة لا مثيل لهما، فسر به معلمه وأمره أن يكف عن العمل ويكتفي بالغناء فقط، ففرح الشيخ سيد وجلس يغني طول نهاره للعمال ويشجعهم على عملهم، وكان الغناء السائد آنذاك أغاني عبده الحامولي ومحمد عثمان، وكانت هذه الانطلاقة الأولى سببا في شعور الشيخ سيد درويش بموهبته الفنية. ويقال أيضا انه في العام الثاني من دراسته في المعهد الديني في الإسكندرية وجد على الرصيف عند بائع الكتب القديمة كتابا يبحث في مبادئ الموسيقى ثمنه نصف قرش فأيقظ هذا الكتاب في نفسه مواطن الموهبة الموسيقية، وهناك عامل ثالث نبه فيه الشعور بالموهبة هو إعجابه بصوت حسن الأزهري الذي كان يدعى لإحياء الحفلات الغنائية عند الأغنياء في السرادق وكان سيد درويش لا تفوته حفلة من حفلات الشيخ حسن حتى تأثر به وصار يقلده تقليدا بارعا في طريقة غنائه وأدائه. إن هذه العوامل الثلاثة بمجموعها تعتبر اللبنة الأولى في بناء حياة الشيخ سيد الفنية ومنطلقه الأول نحو المجد الموسيقي الفني الذي توصل إليه.
فيما بعد لم يرض الشيخ سيد أن يقتصر غناؤه على عمال المبيض دون سواهم بل رغب أن يسمع فنه في سائر مجتمعه الذي يعيش فيه، فترك مهنة المبيض وعاد إلى عمامته وقفطانه وامتهن الغناء بصورة نهائية وصار يقلد في غنائه الشيخ حسن الأزهري معلمه الأول وكان يؤدي ألحان عبده الحامولي ومحمد عثمان بطريقة جديدة غير معهودة ولا مألوفة على أسماع مواطنيه فلمع اسمه وذاعت شهرته بسرعة فائقة ولكن هذه الشهرة كانت ضمن نطاق ضيق محدود لم تشبع نفسه الطموحة من جهة ومن جهة أخرى إن وارد الحفلات المتقطعة لم يكفه في سد حاجات معيشته وحياته، أراد الشيخ سيد لنفسه واردا ثابتا يعتمد عليه فكان له ذلك ولكن على حساب كرامته وصحته ووضعه
في الفترة التي عمل فيها الشيخ سيد درويش على المسارح الرخيصة عرف أمرين لم يكن بهما سابق معرفة، النساء وصياغة الألحان، فالتعارف الأول طبيعي وأما التعارف الثاني فكان بحكم الموهبة المتأصلة في نفسه وروحه وكلاهما فطري بالنسبة لهذا الفنان الكبير كما أن ألمه الكمين في نفسه كان السبب في أن يخرج إلى الوجود بلغته الفلسفية النغمية فيسحر بجمالها الألباب ويرقص النفوس، إنه ما كان يلحن أغنية حتى يرددها أفراد الشعب والعوالم اللواتي يقمن الأفراح والمسارح الغنائية وموسيقات الجيش والموسيقات الأهلية السر في انتشار الشيخ سيد بين أفراد الشعب هو ان لكل لحن قصة ومناسبة ولكل مناسبة أثرها العميق في نفس الشيخ سيد درويش المرهفة الحساسة. فأول أغنية لحنها كانت زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة وكانت مناسبة تأليفها أن امرأة يحبها قالت له هذه العبارة أبقى زورنا يا شيخ سيد ولو كل سنة مرة ولحن آخر كان وحيه امرأة غليظة الجسم اسمها جليلة أحبها حبا عظيما وغدت إلهامه في النظم والتلحين والغناء، هجرته هذه الإمرأة وأخذت تتردد على صائغ في الإسكندرية وعمل لها الصائغ خلخالا فغضب الشيخ سيد وفكر بالانتقام من حبيبته وعزوله وكان أول انتقام من نوعه على الطريقة الموسيقية الغنائية.
ولحن الشيخ سيد أجمل أغانيه في مناسبة غرامية حرجة وكانت الأغنية من مقام حجاز كار وقصة هذه الأغنية انه بينما كان يعمل مغنيا على مسارح الإسكندرية يعلق قلبه بحب غانيتين الأولى اسمها فردوس والثانية اسمها رضوان فكان إذا تخاصم مع الأولى ذهب إلى الثانية والع** بالع** وصدف مرة أن هجرته الاثنتان معا وبقي مدة من الزمن يتلوى من ألم الهجران، وفي إحدى لياليه بينما كان رأسه مليئا بما تعود عليه في بيئته ومحيطه من ألوان الخمور والمخدرات خطرت على باله فردوس وهاج شوقه فقصد بيتها طالبا الصفح والسماح بالدخول عليها ولكنها أبت استقباله لعلاقته مع عشيقته الثانية رضوان فأقسم الشيخ سيد أيمانا مغلظة بأنها صاحبة المقام الأول في قلبه وجوارحه ولكن فردوس أرادت البرهان بأن يغنيها أغنية لم يسبق أن قالها أحد قبله في غانية فأنشدها في الحال: (يا ناس أنا مت في حبي وجم الملايكة يحاسبوني حدش كده)
وانتهت الأغنية بالبيت الأخير الذي كان له شفيعا في دخول بيت فردوس فقال :
قالوا لي اهو جنة رضوان واخترت أنا جنة فردوس
شعر الشيخ سيد بتدهوره الاجتماعي اثر غرامه المتواصل من غانية إلى غانية، فقرر أن يترك الإسكندرية وان يقيم في القاهرة وبخاصة حتى يبعد عن جليلة. وفعلا ترك الإسكندرية عام 1917 وقرر الإقامة في القاهرة وفيها تعرف على المطربين والمطربات والفرق التمثيلية وهنا تغيرت أحواله ودخل في دور الحياة الجدية وشعر بهذا التحسن الذي وصل إليه وأنشد آنذاك دوره المعروف:
يوم تركت الحب كان لي في مجال الأنس جانب، ورجع لي المجد تاني بعد ماكان عني غايب
وأول حفلة أقامها الشيخ سيد في القاهرة كانت في مقهى الكونكورديا وحضر هذه الحفلة أكثر فناني القاهرة منهم الممثلون والمطربون وكان على رأسهم الياس نشاطي وإبراهيم سهالون الكمانجي وجميل عويس حتى وصل عدد الفنانين المستمعين أكثر من عدد الجمهور المستمع وفي هذه الحفلة قدم سيد دوره الخالد الذي أعده خصيصا لهذه الحفلة الحبيب للهجر مايل من مقام السازكار وفيه خرج عن الطريقة القديمة المألوفة في تلحين الأدوار من ناحية الآهات التي ترددها الجوقة وكانت غريبة على السمع المألوف ولذا انسحب أكثر الحاضرين لأنهم اعتقدوا أن هذه الموسيقى كافرة وأجنبية وان خطر الفن الجديد أخذ يهدد الفن العربي الأصيل وبالطبع إن فئة الفنانين المستمعين لم ينسحبوا لأنهم أدركوا عظمة الفن الجديد الذي أعده الشيخ سيد لمستقبل الغناء العربي.
إشترك الشيخ سيد مع الفرق التمثيلية ممثلا ومغنيا فعمل مع فرقة سليم عطا الله وسافر معها إلى سوريا ولبنان وفلسطين وكان لهذه الرحلة أثر كبير في اكتسابه أصول الموسيقى العربية إذ تتلمذ في حلب على الشيخ عثمان الموصلي العراقي. ويقول الشيخ محمود مرسي إن الشيخ سيد عاد بعد هذه الرحلة أستاذا كبيرا في ميدان الموسيقى العربية.
وسافر مرة ثانية مع فرقة جورج أبيض إلى البلاد السورية فأعاد الصلات الفنية بينه وبين موسيقييها واكتسب من أساتذتها ما افتقر إليه من ألوان المعرفة، ولما عاد إلى القاهرة في هذه المرة رسم لنفسه خطة جديدة في ميدانه الغنائي والمسرحي فلحن معظم أدواره وموشحاته الخالدة التي عرفت الناس بمدرسته الإبداعية الجديدة. ظهر للشيخ سيد أول دور بعد هذه الرحلة وكان مقام العجم يا فؤادي ليه بتعشق وكان مقتبسا من موشح حلبي قديم مقام العجم أيضا أخذه الشيخ سيد عن الشيخ عثمان الموصلي ولكنه لم يستطع في بادئ الأمر أن ينسبه إلى نفسه وإنما نسبه إلى إبراهيم القباني. وأما ما اشتهر الشيخ سيد في تلحين الأدوار بين الناس عاد ونسبه إلى نفسه، وينسب إلى الشيخ سيد عشرة أدوار واثنا عشر موشحا وأوبريت وطقاطيق وأهازيج وأناشيد حاسبة وغيرها.
أما الأدوار فهي :
• يا فؤادي ليه بتعشق من مقام العجم
• يللي قوامك يعجبني من مقام التكريز
• في شرع مين من مقام الزنجران
• الحبيب للهجر مايل سازكار
• ضيعت مستقبل حياتي من الشورى أنا عشقت من مقام الحجاز كار
• أنا هويت من مقام الكرد
• عشقت حسنك من مقام البستة نكار
• يوم تركت الحب من مقام الهزام
• عواطفك من مقام نوأثر
أما ألحانه من الموشحات فكانت:
• يا ترى بعد البعاد من مقام الراست
• يا صاحب السحر الحلال من مقام الحجاز كار
• يا عذيب المرشف من مقام الراست
• يا شادي الألحان من مقام النهاوند
• العذارى المائسات من مقام الراست
• يا غصين البان حرت في أمري من مقام الحجاز
• حبي دعاني للوصال من مقام الشورى
• طف يادري من مقام الحجاز كار كردي
هذه الموشحات والأدوار اشتهرت شهرة كبيرة في سائر البلاد العربية وأصبحت المادة الثقافية الفنية لكل فنان ومتفنن، وأصبح قياس المعرفة الموسيقية هو حفظ الحان الشيخ سيد وأدواره وموشحاته وأهازيجه. ويقال أن الشيخ سيد أوجد نغمة الزنجران هذا إذا لم تكن هذه التسمية مأخوذة من النغمة العربية القديمة التي وردت في كتاب الأدوار لصفي الدين عبد المؤمن الأرموي والمعروفة باسم زنكلاه، هذه النغمة من النغمات المركبة وتتألف من ثلاث نغمات هي العجم والجهار كار والحجاز كار بشكل مترابط.
إقتبس سيد درويش من أقوال الزعيم مصطفى كمال بعض عباراته وجعل منها مطلعا لنشيد وطني: بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي ، ولحن أيضا نشيدا وطنيا من نظم مصطفى صادق الرافعي ومطلعه: بني مصر مكانكم تهيأ فهيا مهدوا للملك هيا خذوا شمس النهار حليا، كما لحن في مناسبة أخرى أناشيد وطنية أخرى.
كما عالج الشيخ سيد في أغانيه الموضوع الاجتماعي في غلاء المعيشة والسوق السوداء. وهكذا نجد أن الشيخ سيد استطاع أن يدرك ويلمس سائر الأمراض الاجتماعية وأن يسهم في الميدان الوطني إسهاما كبيرا.
فكانت أغانيه الوطنية يغنيها الشعب بكل حواسه وقلبه ومشاعره ولم يكن أثر الشيخ سيد في ميدان التمثيل والأوبرا العربية بأقل من أثره في ميدان الموسيقى والموشح والدور والطقطوقة والمونولوج الشعبي والأناشيد الوطنية وغيره من ألوان الغناء العربي في شتى مواضيعه، فقد أضاف إلى هذه المآثر مأثرة جديدة وهي تلحين الأوبرا.
وأول لحن كانت أوبرا شهرزاد، ظهرت هذه الأوبرا للمرة الأولى أواخر عام 1920 وأوائل العام 1921 وكان انقلابها بدء انقلاب جديد في عالم الموسيقى العربية والألحان المسرحية، كما لحن أوبرا العشرة الطيبة ألف هذه الأوبرا محمد تيمور ونظم أغانيها بديع خيري وألف نجيب الريحاني فرقة تمثيلية خاصة برآسة عزيز عيد لإخراجها وكلف الشيخ سيد بتلحين محاورتها وأغانيها، ولحن أوبرا البروكة وهذه التسمية هي اصطلاح فني يقصد به الشعر المستعار الذي يضعه الممثلون على رؤوسهم والرواية معربة عن أوبرا لاما سكوت لأروان ولحن أوبرا كليوباترة وانطونيو، اقتبس هذه الأوبرا للمسرح العربي الأستاذان سليم نخلة ويونس القاضي وقدماها للسيدة منيرة المهدية التي قدمتها بدورها لسيد درويش لوضع موسيقاها ولكنه لم يلحن منها إلا الفصل الأول وقد حاول إتمام تلحينها في فصليها الثاني والثالث الأستاذ محمد عبد الوهاب.
والخلاصة إن ألحان الشيخ سيد للأوبرات بلغ عددها العشرون، منها التي لحنها لفرقة نجيب الريحاني وهي واو وآش ورن وقولوا له وفشر ولحن لفرقة علي ال**ار راحت عليك ولسه وأم أربعة وأربعين والبربري في الجيش والهلال وجزءا من أوبريت الإنتخابات، ولحن لفرقة منيرة المهدية كلها يومين والفصل الأول من أوبرا كليوباترا ولحن لأولاد عكاشة الدورة اليتيمة وهدى وعبد الرحمن الناصر.
وإذا اعتبرنا أن كل أوبرا عشرة ألحان فتكون مجموع ألحان الشيخ سيد في أوبراته العشرين مائتا لحن هذا بالإضافة إلى الأدوار والموشحات والأناشيد الوطنية والمونولوجات وغيرها من الألحان والأهازيج التي قدمها الشيخ سيد للموسيقى العربية.
لقد كان هدف الموسيقى المصرية قبل الشيخ سيد الطرب فقط ولكن الشيخ سيد جعل منها مهنة أكبر وهي استخدام هذا الفن العظيم في الجهاد الوطني والإصلاح الاجتماعي هذا بالإضافة إلى ناحية التطريب في الموسيقى والغناء العربي على أن الطريقة التي سار عليها الشيخ سيد في ألحانه للأوبرا كانت منهجية صحيحة وكأنه متخرج من أرفع المعاهد الموسيقية، فكان يتلوا النص الشعري أولا ليتفهم معانيه فهما دقيقا ثم يعيش في بيئته ويعاشر أبطاله ثم يأخذ في إلقاء النص الشعري إلقاء تمثيليا يناسب عباراته ومعانيه كأنه ممثلا على خشبة المسرح، وبعد ذلك يأخذ في إلباسه ثوبه الموسيقي الذي يناسبه، ويقول الشيخ سيد أن الموسيقى لغة عالمية ونحن نخطئ عندما نحاول أن نصبغها بصبغة محلية يجب أن يستمع الرجل اليوناني والرجل الفرنسي والرجل الذي يعيش في غابات أواسط إفريقيا إلى أي موسيقى عالمية فيفهم الموضوع الموسيقي ويتصور معانيه ويدرك ألغازه لذلك فقد قررت أن لحن البروكة على هذا الأساس وسأعطيها الجو الذي يناسب وضعها والذي رسمه لها المؤلف سأضع لها موسيقى يفهمها العالم كله.
باهرالشناوى
music_teacher
music_teacher
06-09-16, 05:31 PM
محمد عبد الوهاب
*** الفنان الكبير محمد عبد الوهاب في القاهرة عام 1896 تقريباً وكان والده يتعاطى مهنة تعليم الأولاد في مسجد الشعراني بحي الشعرية في القاهرة. نشأ عبد الوهاب منشأ بسيطا لم يعرف للحياة قدرها ولا لنفسه مقدارها فكان يجوب الأزقة مرتديا جلبابه البسيط مع أبناء حيه يسرحون ويمرحون ويغنون وينشدون، وكانت فطرة عبد الوهاب وحبه للغناء طبيعية وموهبته الفنية فطرية ولذا كان يقتل اكثر أوقاته في الغناء مقلقا راحة الجيران بصوته الذي كان معجبا به هو ذاته.
على أن الحظ إذ قدر للإنسان أن يناله فقد يناله عن طرق غريبة عجيبة قد لا تخطر على بال. إن محمد عبد الوهاب قد تسلق سلم المجد عن طريق تجواله في الشوارع وارتياده المسارح العامة إذ ساقت الأقدار لهذا الفنان ورفاقه في الحي الذهاب إلى تياترو دار السلام بحي سيدنا الحسين لمشاهدة تمثيلية لفرقة فوزي الجزائرلي فدخلوا الصالة بعد أن دفع كل منهم عشرة مليمات ثمنا للتذكرة ولما انتهى الفصل الأول من الرواية وأسدل الستار على الممثلين قام هؤلاء الأولاد رافعين أصواتهم بالغناء ولكن هذا الغناء كان على سبيل التسلية والمرح فصفق لهم الجمهور سخرية واستهزاء، غير أن رئيس الفرقة التمثيلية فوزي الجزائرلي لم يسخر من هؤلاء الفتيان بل تقدم إليهم ودعاهم للغناء على المسرح مما أثار دهشة المتفرجين والمستمعين ولكن الطفل محمد عبد الوهاب اهتزت جوانبه أمام هذه المفاجأة والأمر الواقع وتعذر عليه الانسحاب فصعد عبد الوهاب على المسرح وراح يغني مع رفاقه فطرب الجمهور من فرقة الأطفال وصفق لها طويلا واستعاد أغانيها مرات ومرات فما كان من فوزي الجزائرلي إلا أن اكرم فرقة الأطفال بشلن كامل لكل واحد منهم وتكررت الزيارة في أيام أخرى إلى هذا المسرح وتكررت الشلنات حتى أصبحت هذه الفرقة من مستلزمات مسرح الجزائرلي ومن ضرورات العرض الساهر وجزءا من الأساس في كيان فرقة الجزائرلي.
وفي عام 1917 بعد وفاة الشيخ سلامة حجازي أتلف نجله عبد القادر حجازي فرقة تمثيلية لتقديم الروايات الأدبية وكان عبد القادر حجازي يقوم بالدور الأول في التمثيل والغناء، ولما كان صوته لا يؤدي المطلوب فكان يحرك شفتيه ومحمد عبد الوهاب يغني اللحن من وراء ستار ثم عمل محمد عبد الوهاب في فرقة عبد الرحمن رشدي مغنيا بين فصول الروايات إلى جانب المطربة فاطمة قدري قتلا للوقت ولم يكن له آنذاك معجبون يقدرون فنه، وظل على هذا الحال يتنقل من فرقة إلى أخرى طلبا للرزق حتى عاد أخيرا إلى فرقة عبد الرحمن رشدي مرة ثانية وكان بين أفراد فرقته عبد الخالق صابر الذي شغل فيما بعد منصب وكيل وزارة الدفاع. وكان صابر يجيد إلقاء الأغاني البلدية والمواويل فشجع عبد الوهاب على الغناء والإستزادة من معرفة هذا الفن وكشف أسراره .
كان المعهد الموسيقي الملكي في ذاك الحين قد افتتح حديثا فانتسب إليه عبد الوهاب ولكنه لم يمكث فيه طويلا بل انتقل إلى معهد موسيقي خاص وكان يزامله فيه المرحوم مصطفى رضا وصفر علي اللذان احتلا فيما بعد إدارة المعهد الموسيقي الإدارية والفنية فاستفاد عبد الوهاب بعض ثقافته الموسيقية من هذه الدراسات ثم أكمل دراساته الموسيقية على يد المرحوم الشيخ علي الدرويش الحلبي الذي تعاقدت معه حكومة القاهرة على التدريس في المعهد الموسيقي العالي.
أما ألحان محمد عبد الوهاب فكان لها أربعة أدوار ومدارس واعتبره الرأي العام المجدد الأول للغناء العربي، فالدور الأول ظهرت فيه أغاني يا جارة الوادي وكلنا نحب القمر وبالله يا ليل تجينا وغيرها فكانت هذه الأغاني من نوع خاص يسميه الأدباء بالسهل الممتنع، فشعرت الكافة والخاصة بأن دماً جديداً قد داخل الأغنية العربية وأصبحت أغانيه على كل لسان تتردد وفي كل سمع تتصدر وداخل كل قلب تنبض، فتزعمت هذه المدرسة مركز الطليعة في الميدان الموسيقي الغنائي وأصبح لها أنصار ومريدون وتهافت التجار من أصحاب شركات الاسطوانات على تسجيل أغانيه فانتشرت تتغنى على كل مسرح وأصبحت أغاني محمد عبد الوهاب هي المادة الرئيسية في الثقافة الفنية لكل مطرب ومنشد وهاو للطرب .
لم تقتصر مدرسة محمد عبد الوهاب على إبداع أغاني الطرب الكلاسيكية بل تعدتها إلى المرحلة الثانية من مدرسته الإبداعية وكان دور الأغاني الوصفية، فظهرت أفلامه السينمائية وكان لها دوي هائل في ميدان الغناء العربي. وفي اللون الوصفي الجديد الذي أتى به هذا الفنان الموهوب والوصف هو إدراك سر الكلمة وتلبيسها اللحن المناسب لها، واعتمد محمد عبد الوهاب في هذا العمل على ذكائه أكثر من اعتماده ومعرفته ولذا كان وصفه مجازياً أكثر من كونه حقيقياً. فمثلاً من ألحانه المجازية أغنية يرثي بها حبيبته وهو بين قبور الموتى بقوله في فلمه يحيا الحب قوله يا من سعيت إليها يقودني نار قلبي يا من جنيت عليها هذه جناية حبي أن لحن هذا المقطع ليس بالحزين كما هو مفروض من النص الشعري بل انه لحن مفرح راقص، وهكذا كانت بعض ألحانه في بقية أفلامه ممنوع الحب رصاصة في القلب ثم في ألحانه التي كانت لغير أفلامه.
وفي الدور الثالث لهذه المدرسة الموسيقية أخذ عبد الوهاب يلحن القصائد الطويلة بأسلوب جديد يختلف عن الدورين الأولين فظهرت أغاني الجندول والكرنك وكانت حدثا جديدا هائلا في ميدان الغناء العربي ولكن هذه الأغاني على روعتها وعظمتها لم تنس الناس أغاني الدور الأول، تلك الأغاني التي رفعت عبد الوهاب إلى زعامة الميدان الموسيقي والغنائي في العالم العربي، إنها أغان كانت تخرج من القلب وتدخل كل قلب لم يداخلها التصنيع في تركيبها ولا التقليد في هيكلها. لقد كانت استمرارا لمدرسة الشيخ سيد درويش ولذا كانت قريبة من كل مزاج ومتغلغلة في كل نفس.
إن إنتاج الدور الرابع قد هبط عن مستوى الألحان المألوفة في هذه الحقبة الزمنية لا فإنتاج محمد عبد الوهاب هو دوما فوق المستوى المألوف ولكن الحديث عن ميدان وصاحب مدرسة وصل في الماضي بإنتاجه إلى ذروة الجادة والجمال إذا قورن بإنتاجه بين الدور الأول والدور الرابع فلا شك أن الفارق كبير بينهما فها هي قصيدة يا جارة الوادي يعاد تسجيلها على اسطوانات تجارية للمطربة فيروز بعد ست وثلاثين عاما وتجد هذه الأغنية إقبالا لا مثيل له ولا أظن أن أغنية أراعيك قيراط تراعيني قيراطين تجد مثل هذا الإقبال إذا أعيد طبعها بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة بل أن هذه الأغنية قد ماتت وهي لا تزال في المهد الأمر الذي يوضح الحقيقة الواقعة وليس معنى ذلك أن الأستاذ محمد عبد الوهاب قد تناقصت مقدرته التلحينية فألحانه للسيدة أم كلثوم في أنت عمري وأمل حياتي تثبت أن عبد الوهاب لا يزال في ذروة الميدان الموسيقي، ولكن عبد الوهاب كما يبدو أبى أن يعترف بواقع سنه فصاغ ألحانه في دورها الرابع بما يتناسب مع ما وصل إليه صوته فكانت كما سمعها الناس في وضعها الراهن.
لحن عبد الوهاب الكثير من الأغاني الخفيفة في بدء حياته الفنية ولكنه عندما تعرف على المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء فتحت له الدنيا أبوابا جديدة كانت موصدة أمامه فيما قبل فظهر لعبد الوهاب أحلى القصائد وأطرب الأغاني وأمتع الألحان. والخلاصة أن محمد عبد الوهاب هو رائد الموسيقى في هذا الجيل وكانت ألحانه في أدوارها الأربعة ممتعة مطربة لسائر الأفراد على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم وثقافاتهم ويعتبر من أساتذة الدور الرابع للمدرسة الموسيقية الحديثة بحق وجدارة .
باهر الشناوى
music_teacher
yassine000
07-02-15, 04:08 AM
salamo lahi 3alaikom hadihi ma3lomat jamila jidan achkoroka katiran
ميدو جيتارا
07-02-21, 05:02 AM
الله يا فنان على الموضوع الجميل دة
الجيتاره الحزينه
07-03-01, 02:05 AM
الله يعطيك العافيه يا فناااااااان
music_teacher
07-03-10, 12:26 AM
مشكورين اخوانى على المرور والرد
مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو ووووووووور
music_teacher
07-03-19, 01:32 AM
مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو ووووووووور
مشكور اخوى على المرور والرد
moustafa_awad17
07-06-22, 09:27 AM
شكرا لك على المعلومات
Powered by vBulletin™ Copyright © 2010 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved